سكيكدة - A la une

سكيكدة “عين الشفا” بين الأسطورة والحقيقة



سكيكدة                                    “عين الشفا” بين الأسطورة والحقيقة
تزخر ولاية سكيكدة بالعديد من المعالم والمواقع الطبيعية النادرة والمتميزة التي تشكل جزءا من التراث الثقافي والاجتماعي المحلي، ومن بين تلك المواقع التي خلدها الأهالي في أساطيرهم وقصصهم بعض “العيون الطبيعية” التي تتدفق من بين الصخور ومن داخل المغارات، والمقدر عددها حسب الآنسة جكريط غنية مفتشة التنشيط الفني والثقافي بمديرية الثقافة لولاية سكيكدة، بأكثر من 20 عينا طبيعية منها ما هو مستغل ومنها ما هو غير مستغل ولكل عين، حسب ذات المصدر، قصة وقصة كما هو الأمر مع “عين الدولة” بالقل التي تعود إلى الحقبة التركية والشافية من عقم النساء، و«عين الزويت” التي خلدها الرومان و«عين كاف أونار” بأولاد أحبابة التي استغلها الرومان لطرد النحس و«عين قشرة” التي يتدفق الماء من بين الصخور االعذبة و«عين الشفا” المتواجدة بمنطقة وادي بيبي...
«عين الشفا” كما يحلو لسكان المنطقة تسميتها، عين مباركة تجسد البركة الربانية بالمصطلح المحلي في علاج العديد من الأمراض المستعصية، تعود إلى الحقبة الرومانية الأولى، تتواجد داخل مغارة بكهف يطل على البحر يتميز بالبرودة، الولوج إلى داخله يتم بصعوبة وحسب الأسطورة المحلية، فإن الرومان وبعدهم الفينيقيين ومن بعدهم باقي البحارة من أتراك وغيرهم، قدسوا العين تقديسا، كونها تمنحهم الحظ الحسن فكانوا ينهلون منها كلما دفعتهم الحاجة إلى امتطاء عباب البحر، وحسب السيد أحمد البالغ من العمر79 سنة، الذي يعد من بين البحارة القدماء وما يزال يحترف مهنة الصيد، خلال حديثنا معه بميناء سطورة، أكد لنا بأن قدماء البحارة كانوا قبل شروعهم في اصطياد السمك يتوجهون إلى العين فينهلون منها ثم يسكبون من ماء المغارة على قواربهم وسفنهم، لاعتقادهم أن مياه تلك العين ستمنح له الحظ السعيد وتحميهم من عواصف البحر ومن عين الحسود، كما تمكنهم من العودة بصيد وافر. وحول ما إذا كان الجيل الحالي من الصيادين يؤمنون ببركة هذه العين، فلا يعتقد ذلك على أساس أن العديد من صيادي هذا الجيل أصبحوا لا يؤمنون بمثل هذه القصص...

بركة “عين الشفا” تجعلها مزار العائلات السكيكدية خاصة صيفا
وحسب ما تحتفظ به الذاكرة الجماعية لأهالي منطقة عين الشرايع، فإن هذه العين التي تتواجد داخل هذه المغارة كانت مقصدا منذ أزمنة للعديد من الناس ممن كانوا يريدون التبرك بمياهها العجيبة التي تتميز بمذاقها الطبيعي العذب، لكن بمجرد إخراج الماء من المغارة يصير مالحا غير قابل للشرب هذه الحقيقة أكدها لنا العديد من الشباب ممن ولجوا عمق المغارة ومنهم الشاب بلال 25 سنة الذي أكد لنا هذه الحقيقة الغريبة.
أما عن تسميتها ب«عين الشفا”، فحسب السيد صالح البالغ من العمر 77 سنة صياد من سطورة، فإن الميزة الغريبة لمياه تلك العين التي شكلتها الطبيعة على مر العصور داخل المغارة، جعلت العديد من الناس يقصدونها للتداوي من العديد من الأمراض كالروماتيزم وأمراض الجلد، بل اكثر من ذلك، هناك من يستعمل مياهها للتداوي من العقم أو لطرد النحس والعين والسحر وحتى لجلب العرسان بالنسبة للفتيات الشابات. وحسب ذات المصدر، فهناك العديد من الطقوس التي لا تزال تمارس إلى يومنا هذا على مستوى هذه المغارة على الرغم من صعوبة الدخول إليها، حيث تتطلب مهارة في السباحة لكونها تقع بالبحر، وهناك من يغامر بنفسه من الجنسين من أجل التبرك بمياه العين، علما أن صعوبة الدخول إليها هي التي ترسخ لدى العديد من أهالي المنطقة وما جاورها فكرة القدرة العجيبة للعين في كل من يستحم أو يشرب ماءها،
وحسب ما يتردد في الذاكرة الجماعية لأهالي المنطقة، فإن العديد من النساء العاقرات وبعد سنوات من معاناتهن من العقم وبفضل شربهن مياه “عين الشفا” رزقن بأولاد، بل هناك من رزقهن الله توائم دفعة واحدة. وترى الأنسة جكريط غنية مفتشة بمديرية الثقافة للولاية، أن العديد من أهالي عين الشرايع لا يزالون إلى يومنا هذا يؤمنون بهذه الأسطورة المحلية بالخصوص في أوساط النساء، لكونهن الأكثر اعتقادا بمثل هذه القصص التي تظل محفورة في ذاكرتهم، ودليلها في ذلك أن مغارة “عين الشفا” تشهد كل صيف تدفق عدد كبير من العائلات المرفقات ببناتهن تقصدها بواسطة قوارب صيد أغلبها ينطلق من ميناء سطورة أو من الميناء الفينيقي بوادي بيبي القريب من المغارة ثم تدخلها عن طريق السباحة، وعندما تصير بالقرب من العين التي تتدفق من الصخر على شكل عين صغيرة يشرب أفراد العائلة منها كميات ثم يعودون أدراجهم...
ومهما يكن من أمر، فإن شاطئ وادي بيبي ومنه شاطئ عين الشرايع وغيره من الكنوز الطبيعية التي تمثل تراثا ماديا ولا ماديا يبقى بولاية سكيكدة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، بحاجة إلى دراسة مستفيضة من قبل المختصين من أجل إماطة اللثام عن العديد من العادات والتقاليد الذي أضحت لسبب أو لآخر مهددة بالزوال، وكذا العمل من أجل تدوين كل ما له علاقة بالتراث لكونه ذاكرة منطقة سكيكدة.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)