
يُعدّ سجن سركاجي، المعروف سابقًا باسم “بربروس”، أحد أكثر المعالم إثارة للجدل في تاريخ الجزائر الحديث. يقع في أعالي قصبة الجزائر، ويختزن بين جدرانه تعاقب العهد العثماني، والاستعمار الفرنسي، ثم مرحلة ما بعد الاستقلال، ليصبح رمزًا مركزيًا في ذاكرة القمع والمقاومة معًا.
شُيّد السجن في موقع استراتيجي داخل قصبة الجزائر، وهي المنطقة المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو. قبل تحويله إلى مؤسسة عقابية، كان الموقع جزءًا من التحصينات العسكرية العثمانية التي أُقيمت بعد دخول الإخوة بربروس إلى الجزائر في القرن السادس عشر، وعلى رأسهم عروج بربروس وأخوه خير الدين بربروس.
وقد أطلقت الإدارة الاستعمارية الفرنسية اسم “Barberousse” على السجن نسبةً إلى تلك المرحلة التاريخية، في إشارة إلى الحصن العثماني الذي كان قائمًا في المكان.
يرجّح الباحثون أن اسم “سركاجي” مشتق من الكلمة التركية “Sirkeci”، أي بائع أو صانع الخل، إذ كان الحي قديمًا يضم مخازن أو معامل لإنتاج الخل. غير أن التحولات التاريخية جعلت الاسم يرتبط في المخيال الشعبي بالألم والمعاناة، خاصة خلال الحقبة الاستعمارية.
في عام 1856، حوّلت السلطات الفرنسية الموقع إلى سجن مدني وفق النموذج الأوروبي للسجون الخلوية القائم على العزل والانضباط الصارم. ومع اندلاع الثورة التحريرية (1954–1962)، أصبح سجن بربروس من أهم مراكز احتجاز مناضلي جبهة التحرير الوطني ومجاهدي جيش التحرير الوطني.
ارتبط اسم بربروس بعمليات الإعدام بالمقصلة التي طالت عددًا من قادة ومناضلي الثورة. ومن أبرزهم الشهيد أحمد زبانة الذي أُعدم سنة 1956، وكان أول محكوم بالإعدام يُنفذ فيه الحكم خلال الثورة، ما أثار موجة غضب واسعة وساهم في تصعيد الكفاح المسلح.
وقد تحوّلت زنزانات السجن إلى فضاءات للصمود، حيث نظّم المعتقلون دروسًا للتثقيف السياسي ومبادرات للتضامن، في مواجهة ظروف قاسية من العزل والتعذيب والانضباط الحديدي.
بعد انتصار الجنرال فرانسيسكو فرانكو سنة 1939 في الحرب الأهلية الإسبانية، لجأ آلاف الجمهوريين الإسبان إلى الجزائر. وقد تم احتجاز بعضهم في سجن بربروس أو في معسكرات أخرى بشمال إفريقيا في ظروف صعبة، ما يضفي على المكان بعدًا متوسطيًا يتجاوز التاريخ الجزائري وحده.
عقب استقلال الجزائر سنة 1962، استعاد السجن اسمه المحلي “سركاجي” واستمر في أداء وظيفته كمؤسسة عقابية عالية الحراسة. وخلال تسعينيات القرن الماضي، ارتبط اسمه بأحداث دامية أبرزها تمرد سنة 1995 الذي خلف ضحايا عديدين.
أُغلق السجن رسميًا سنة 2014، ومنذ ذلك الحين طُرحت عدة مبادرات لتحويله إلى متحف للذاكرة الوطنية، تكريمًا لضحايا القمع الاستعماري وتخليدًا لنضالات الحركة الوطنية.
يجمع سجن سركاجي بين عدة طبقات تاريخية:
مرحلة التحصين العثماني
الحقبة الاستعمارية والسجن الخلوي
فترة الثورة التحريرية والإعدامات
مرحلة ما بعد الاستقلال
إنه مكان تختلط فيه رمزية السيطرة برمزية المقاومة، ويظل شاهدًا ماديًا على فصول مؤلمة من تاريخ الجزائر. وتحويله إلى فضاء للذاكرة سيمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم الماضي واستحضار تضحيات من مرّوا عبر جدرانه، في سبيل الحرية والاستقلال.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie