
في قلب المدينة العتيقة للجزائر العاصمة، المتربعة على السفح المطل على البحر، تبرز شخصية الياولد كإحدى الصور الإنسانية التي تختزل تاريخًا اجتماعيًا كاملًا. هذا النداء الشعبي، المشتق من عبارة "يا أولاد"، لا يعبّر فقط عن مخاطبة عابرة، بل يحيل إلى واقع معيش معقد، حيث نشأت فئة من الأطفال في الشارع، صنعتها ظروف الفقر، وصقلتها القدرة على التكيف، بل وأحيانًا دفعتها إلى لعب أدوار مبكرة في التحولات السياسية الكبرى خلال القرن العشرين.
خلال الفترة الاستعمارية، خاصة بين نهاية القرن التاسع عشر وخمسينيات القرن الماضي، شهدت الجزائر العاصمة توسعًا عمرانياً سريعًا رافقته فوارق اجتماعية حادة. فقد تم تهميش السكان المسلمين اقتصاديًا، وحُصروا في القصبة والأحياء الشعبية، في ظل بطالة متفشية ونزوح ريفي متزايد.
في هذا السياق ظهر الياولد، وهم غالبًا أطفال صغار اضطروا للعمل في سن مبكرة لمساعدة عائلاتهم أو لضمان بقائهم. وكان فضاؤهم الطبيعي هو الشارع: الأدراج الضيقة، الأسواق الصاخبة، الأزقة المتشابكة، وميناء الجزائر الذي يعج بالحركة.
مارس هؤلاء الأطفال أعمالًا بسيطة وغير رسمية، مثل:
تلميع الأحذية،
حمل القفف في الأسواق،
بيع الجرائد،
إرشاد الأجانب،
أو القيام بأعمال صغيرة مقابل نقود زهيدة.
وقد اكتسبوا معرفة دقيقة بأسرار المدينة ومسالكها، وبعلاقاتها الاجتماعية المعقدة.
لم يكن الياولاد مجرد أطفال فقراء، بل شكلوا ظاهرة ثقافية حضرية مميزة. ومن أبرز سماتها لغتهم الخاصة، التي تمزج بين العربية الدارجة والفرنسية الشعبية، فيما يشبه ما يُعرف بـ"الفرنساوي".
وقد شُبّهوا بنظرائهم في المدن الأوروبية، مثل:
أطفال مونمارتر،
أو شخصية غافروش في رواية فيكتور هوغو.
كانوا يتميزون بالدهاء، وخفة الحركة، وروح التحدي، والانتماء القوي لحيّهم.
لعبت طبيعة القصبة العمرانية دورًا أساسيًا في تشكيل شخصية الياولد. فالأزقة الضيقة، والممرات المتداخلة، والسلالم المتعرجة، كلها جعلت من الحي فضاءً مثالياً للتعلم غير الرسمي.
وقد اكتسب هؤلاء الأطفال:
سرعة تنقل استثنائية،
حدة في الملاحظة،
قدرة على الاختفاء والمراوغة.
وهي مهارات ستصبح ذات أهمية كبيرة لاحقًا خلال فترة الكفاح المسلح.
خلال معركة الجزائر، أحد أبرز محطات الثورة التحريرية، لعب الياولاد دورًا خفيًا لكنه مؤثر ضمن شبكات جبهة التحرير الوطني.
تمثلت أدوارهم في:
نقل الرسائل بين عناصر الشبكة،
المراقبة والتنبيه عند وصول القوات الفرنسية،
توفير الدعم اللوجستي البسيط للمجاهدين.
وكانت براءتهم الظاهرية بمثابة غطاء طبيعي، جعل تحركاتهم أقل إثارة للريبة.
خلّدت الأعمال الفنية صورة الياولد كرمز إنساني للقصبة.
ففي فيلم معركة الجزائر للمخرج جيلو بونتيكورفو، تظهر هذه الفئة بوضوح، حيث يشارك الأطفال في الحياة اليومية للمقاومة، ويجسدون روح التحدي الجماعي.
كما تناول الأدب الجزائري هذه الشخصية، ومن أبرز من كتب عنها حيمود براهيمي، الذي نقل تفاصيل الحياة الشعبية في القصبة بواقعية وعمق.
لا يزال مصطلح الياولد حاضرًا في الذاكرة الجماعية، مرتبطًا بصور التضامن الشعبي والحياة المشتركة داخل الأحياء القديمة.
غير أن هذا الحنين لا يجب أن يخفي قسوة الواقع الذي عاشه هؤلاء الأطفال:
حرمان من التعليم،
عمل مبكر،
هشاشة اجتماعية مستمرة.
في النهاية، يمثل الياولد أكثر من مجرد وصف اجتماعي؛ إنه رمز لذاكرة مدينة، وشاهد على مرحلة تاريخية معقدة.
إنه يجسد:
طفولة مهمشة لكنها حية،
ثقافة شعبية غنية،
ومساهمة صامتة في مسار التحرر الوطني.
ومن خلالهم، تستمر القصبة في رواية قصتها، بأصوات أطفالها، وذكريات أزقتها، وتاريخها الذي لا يُنسى.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie
صاحب المقال : Hichem BEKHTI