المسيلة - A la une

التونسيون شيّعوا شكري بلعيد لكنهم يرفضون تشييع الثورة يوم من الصمت المبكي والقنابل المسيلة للدموع



التونسيون شيّعوا شكري بلعيد لكنهم يرفضون تشييع الثورة يوم من الصمت المبكي والقنابل المسيلة للدموع
جنازة مهيبة ل''حريري تونس'' وثورة ''أرز'' جديدة في الأفق
أوحت جنازة شكري بلعيد، أو ما صار يلقب ب''حريري تونس''، التي جرت أمس في أجواء مهيبة، بملامح ثورة ''أرز جديدة''، تعيد تصحيح الخيارات التي انتهت إليها ثورة الياسمين في استكمال أهدافها، وبعد بوادر الانفلات الأمني التي طبعت يوم أمس كامل مناطق الجمهورية في تونس.
تماما كما كانت الجزائر العاصمة يوم جنازة الرئيس الراحل محمد بوضياف، وكما كانت بيروت يوم جنازة رفيق الحريري، كذلك كان وجه تونس أمس شاحبا، كما كانت وجوه التونسيين باردة من شدة الحزن والألم من قسوة الغدر، الأعلام منكسة، وشوارع خالية تماما من المارة، وأحياء مهجورة من سكانها، ومحلات مغلقة استجابة لنداء الإضراب العام، لم يجرؤ أي أحد من التونسيين، أمس، على فتح محله، لا في العاصمة تونس ولا في غيرها من المدن التونسية، وتوقفت حركة النقل بالكامل، لا قطار ولا ترامواي ولا حافلات، وأغلق مطار قرطاج أبوابه للمرة الأولى منذ عقود، عندما أعلنت الخطوط التونسية إلغاء جميع رحلاتها ذهابا وإيابا إلى تونس، كما علق عمال المطار وموظفوه عملهم، وخيّم صمت رهيب على العاصمة تونس تحديدا، لم يكسره إلا أصوات الآلاف التي هتفت بروح الراحل شكري بلعيد، أو أصوات الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع التي استعملت في تفريق المتظاهرين بعد الجنازة المهيبة التي غطتها شعارات ''الدعوة إلى العدالة من القتلة''، والدعوة إلى التلاحم الوطني''، و''التوحد في مواجهة التطرف والعنف''. ولم تعرف تونس منذ عقود يوما حزينا كأمس السبت، وهي تودع في رابع أكبر جنازة تشهدها تونس في تاريخها، بعد جنازة الزعيم المغتال فرحات حشاد وجنازة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وجنازة محمد البوعزيزي، تودع زعيم الجبهة الشعبية في تونس شكري بلعيد الذي اغتيل صباح الأربعاء الماضي. مليون وأربع مئة ألف تونسي خرجوا أمس في جنازة، ضاقت بهم المقبرة عن آخرها، وامتدت الجموع البشرية إلى كل المناطق المحيطة بالمقبرة. كما حظيت الجنازة بتغطية إعلامية هائلة، حيث فاق عدد الصحفيين الذين حضروا إلى تونس لتغطية الحدث الألف صحفي، يمثلون الصحف والقنوات الأجنبية ووكالات الأنباء.
ولم يحضر الجنازة أي من الشخصيات المسؤولة، حيث تغيب رئيس الجمهورية منصف المرزوقي ورئيس الحكومة حمادي الجبالي ورئيس حركة ''نداء تونس''، كما رفضت عائلة شكري بلعيد حضور راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، أو أي من وزرائها أو قياداتها، بسبب الاتهامات الموجهة لهم بالمسؤولية السياسية عن عملية الاغتيال. لكن الجنازة وما إن انتهت، حتى بدأت المواجهات المشحونة بين الشرطة والمتظاهرين الذين فرغوا لتوهم من الجنازة، فبحثوا عن متنفس من حالة العنفوان والغضب من اغتيال بلعيد، وتحولت المواجهات إلى اضطرابات حادة، اضطرت فيها الشرطة إلى استعمال الغاز المسيل للدموع وإطلاق الرصاص المطاطي، غير أن مواجهة أخرى كانت تدور بين أعوان الشرطة ومجموعات من الشباب المنحرفين الذين وجدوا في انشغال التونسيين بجنازة بلعيد، وفي انشغال السلطات الأمنية بتأمين الجنازة وتفريق المتظاهرين، فرصة للإغارة على المحلات التجارية وتنفيذ سلسلة من محاولات السطو على الممتلكات الخاصة والعامة والمؤسسات المصرفية، وهو ما دفع بوزارتي الدفاع والداخلية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية بأعداد كبيرة من أفراد الجيش والشرطة وفرق التدخل على مستوى شارع الحبيب بورقيبة والشوارع المحيطة به، لمقارعة المتظاهرين على الاغتيال السياسي من جهة، والمجموعات المنحرفة من جهة أخرى، كما تمت الاستعانة بفرق من قوات ''النينجا'' وفرق الدراجات النارية لملاحقة المتظاهرين.
ولاحظت ''الخبر'' حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، استمرار المواجهات العنيفة بين الشرطة والمتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة، بعدما تم تسجيل تراجع المتظاهرين بعد استقدام قوات كبيرة من الشرطة والجيش، لكن المواجهات امتدت إلى الشوارع الجانبية، كما عززت قوات الشرطة من تواجدها أمام مقر وزارة الداخلية، وكانت تمنع أي تجمع في الشارع. ودفع الانفلات الأمني الخطير الذي تشهده تونس المواطنين إلى تشكيل مجموعات ولجان لحماية الأحياء والمنازل والمدارس والبنوك والمحلات التجارية والمنشآت العمومية لمساعدة قوات الأمن والجيش على بسط الأمن.
وبرغم هذه التفاصيل، بدا التونسيون أمس وهم يشيّعون شكري بلعيد إلى مثواه الأخير، أكثر انخراطا في حالة رفض قاطع، لتشييع ثورة 14 جانفي، ويقولون إن أخطاء وقعت في تكريس مكتسبات الثورة وجب تصحيحها، وإعادة الثورة إلى سكتها، خاصة وأن الوضع الداخلي الهش في تونس على الصعيد الاجتماعي، وحالة التشنج السياسي والتجاذب العنيف بين مختلف القوى السياسية، وفشل الحكومات المتعاقبة منذ 14 جانفي، في إحداث إقلاع اقتصادي، وكلها مؤشرات تنبئ بثورة ''أرز'' ثانية، تعيد تصحيح الفهم الخاطئ لمكتسبات ثورة الياسمين.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)