
تُعد هذه الخريطة من الوثائق الكارتوغرافية المهمة التي توثق لحظة مفصلية في تاريخ مدينة وهران في القرن الثامن عشر. وهي خريطة ألمانية نُشرت سنة 1732 على يد دار النشر الجغرافية التابعة لعائلة Johann Baptist Homann في مدينة نورنبرغ، والتي واصلها لاحقًا ورثة هومان بعد وفاته.
الخريطة تحمل عنوانًا لاتينيًا طويلًا يصفها بأنها تمثيل طبوغرافي لميناء ومدينة وهران المحصنة على ساحل البربر مع الإشارة إلى الأحداث العسكرية المرتبطة بها.
العنوان اللاتيني المكتوب أعلى الخريطة هو:
Topographica Repraesentatio Barbarici Portus et Urbis Munitae Oran
وترجمته تقريبًا:
"تمثيل طبوغرافي لميناء ومدينة وهران المحصنة على ساحل البربر."
ويتابع النص شارحًا السياق التاريخي:
كانت المدينة تحت حكم الإسبان منذ 1509
استعادها الجزائريون سنة 1708
ثم أعاد الإسبان احتلالها سنة 1732
وتذكر الخريطة أن هذا العمل مستند إلى خرائط ورسوم للمهندس العسكري Christian Gephart.
تعكس هذه الخريطة حدثًا تاريخيًا كبيرًا هو الحملة الإسبانية لاستعادة وهران سنة 1732.
بعد أن تمكنت إيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية من طرد الإسبان سنة 1708، بقيت المدينة تحت حكم جزائري قرابة 24 سنة. لكن إسبانيا قررت استعادتها، فأرسل الملك الإسباني Philip V of Spain حملة بحرية ضخمة.
تُعد هذه الحملة من أكبر الحملات العسكرية الإسبانية في البحر المتوسط خلال القرن الثامن عشر.
تُظهر الخريطة الساحل الغربي لوهران مع تضاريسه الطبيعية:
المرتفعات الصخرية
الأودية التي تصب في البحر
السهول الداخلية
مواقع الرسو البحري
كما تظهر عبارة "Mitteländische Meer" أي البحر الأبيض المتوسط.
تُبرز الخريطة مواقع التحصينات الأساسية للمدينة، ومنها:
Fort Santa Cruz فوق جبل مرجاجو
الحصون الساحلية
الأسوار الدفاعية للمدينة
ويظهر الميناء محميًا بالتحصينات البحرية.
من أبرز العناصر في الخريطة وجود دوائر كبيرة عديدة داخل اليابسة.
هذه الدوائر ليست تضاريس طبيعية، بل تمثل معسكرات الجيش الإسباني أثناء الحملة العسكرية.
وهي توضح:
مواقع تمركز القوات
انتشار الوحدات العسكرية
مواقع المدفعية
وهذا يدل على أن الخريطة ليست جغرافية فقط، بل خريطة عسكرية توثيقية للحملة.
في صيف سنة 1732 أرسلت إسبانيا أسطولًا ضخمًا نحو الساحل الجزائري:
أكثر من 500 سفينة
حوالي 30 ألف جندي
دعم مدفعي كبير
قاد الحملة القائد العسكري الإسباني José Carrillo de Albornoz.
تمكنت القوات الإسبانية من إنزال قواتها قرب وهران ثم السيطرة على المدينة بعد معارك قصيرة نسبيًا.
وبذلك عادت وهران إلى الحكم الإسباني مرة أخرى.
من وجهة نظر تاريخية مغاربية، فإن هذه الخريطة تمثل:
توثيقًا أوروبيًا لمرحلة من الصراع على السواحل الجزائرية
دليلاً على الأهمية الاستراتيجية لوهران في المتوسط
مثالًا على التنافس بين القوى الأوروبية والدولة العثمانية
كما تعكس الخرائط الأوروبية آنذاك تصورًا خاصًا للمنطقة، حيث كانوا يسمون شمال أفريقيا "ساحل البربر"، وهو مصطلح استُخدم في الأدبيات الأوروبية لوصف بلاد المغرب.
تكمن أهمية هذه الخريطة في عدة جوانب:
توثق حملة عسكرية محددة سنة 1732
تقدم وصفًا طبوغرافيًا دقيقًا للساحل
تُظهر التحصينات العسكرية للمدينة
تُبرز مواقع الجيش الإسباني أثناء الحملة
وبالتالي فهي ليست مجرد خريطة جغرافية، بل وثيقة تاريخية عسكرية.
تمثل خريطة وهران لسنة 1732 شاهدًا بصريًا على مرحلة من الصراع الدولي حول السيطرة على الموانئ الجزائرية في البحر المتوسط. فهي تجمع بين الجغرافيا والتاريخ العسكري، وتكشف أهمية المدينة الاستراتيجية في التوازنات المتوسطية خلال القرن الثامن عشر.
كما تؤكد هذه الوثيقة أن وهران كانت محورًا لصراعات إقليمية بين القوى الأوروبية وإيالة الجزائر العثمانية، وهو ما جعلها موضوعًا متكررًا في الخرائط العسكرية الأوروبية.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie