بمناسبة إعداد ملف حول بعض المآثر الخالدة التي سجلها المجاهدون الأشاوس من أجل تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي الغاشم، التقيت هذه المرة بالسيد بحري لعرج المولود بتاريخ 21 أوت 1924 بالعامرية ولاية عين تموشنت، والمقيم ببلدية عين الترك بولاية وهران، وهو واحد من المجاهدين الذين أعطوا الوطن كل ما كانوا يملكون، حتى أن القوات الفرنسية نقلته سنة 1960 رفقة العديد من الجزائريين الآخرين إلى العمل بمدينة رڤان، كونه كان متفوقا جدا في البناءات الحديدية بشركة المواد الصناعية والنحاس التي سبق له أن اشتغل بها في العامرية، مسقط رأسه، وبعدها في ولاية وهران التي استقر بها الآن.
غير أن القصة الحقيقية للقوات الفرنسية لم تكن من أجل الاستفادة من خدماته في هذا المجال، وإنما لهدف آخر يتعلق باستعماله مع غيره من الجزائريين الموجودين في رقان في التجارب النووية التي قامت بها القوات العسكرية في الصحراء الجزائرية، وبالضبط في منطقة الحمودية.
عمي بحري لعرج يتذكر جيدا أن القوات الفرنسية التي وصلها خبر التحركات المشبوهة التي كان يقوم بها مجاهد مسبل في مجال تأمين أماكن تواجد المجاهدين بمدينة وهران وغيرها من المناطق الأخرى بالمنطقة، فضلت معاقبته دون إعلامه بحقيقة ما ينتظره، وذلك من خلال إبعاده عن أهله وعائلته بتحويله إلى منطقة بشار (الساورة) من أجل العمل – ظاهريا- ثم استغلاله في التجارب النووية التي كانت ستقوم بها في منطقة الحمودية بمدينة رقان – عمليا-.
«عمي بحري “ كما يحلو للكثير من الشباب مناداته، كان يقوم رفقة العديد من زملائه بجمع المال لفائدة الثورة، ثم يمنحها للمسؤول المكلف على مستوى منطقة وهران، كما كان يقوم في العديد من المرات بتأمين الطريق أو الأمكنة التي كان يلتقي فيها المجاهدين، وكان من الذين يحرسون المكان ويؤمنونه، حيث يتذكر في هذا المجال كيف كان وغيره من “المسبلين” يترصدون الخونة والحركى الذين لم يكن همهم سوى خدمة المستعمر على حساب القضية الوطنية.
وفي هذا الإطار، يتذكر المجاهد بحري الكثير من الأمثلة والقصص التي كان أبطالها جزائريون، منهم المجاهد عبد الباقي الذي كان يأتيه بالألبسة وبعض قطع السلاح والذخيرة، ويطلب منه أن يتوجه بها إلى جبل الصفصاف بالعامرية، ثم يرميها قرب الوادي غير بعيد عن الغابة، حتى يتسنى للمجاهدين أخذها ليلا، علما بأن المجاهد عبد الباقي كان وقتها مجندا عسكريا تحت الراية الفرنسية، إلا أن إيمانه بالقضية الوطنية جعلته يقدم لها الكثير من الخدمات من داخل الأجهزة الاستعمارية الفرنسية التي قامت بإرسال المجاهد بحري لعرج إلى الصحراء، بعد أن وصلتها أخبار بأنه ينشط إلى جانب “الفلاقة”.
وهنا تبدأ تفاصيل قصة أخرى يرويها المجاهد بحري لعرج الذي تم نقله إلى رقان في عام 1957، واستقر به المقام بها إلى ليلة البدء في تنفيذ التجارب النووية التي وصلته بشأنها أخبار أكيدة، تفيد بأن الفرنسيين يقومون بالتحضير لعملية نووية كبيرة في صحراء الحمودية بمدينة رقان، الأمر الذي جعله يتوجه إلى مسؤوله المباشر ليطلب منه أن يتوقف عن العمل نهائيا، لأنه تعب كثيرا من العمل في الصحراء، وأنه لم يعد بمقدوره تحمل العواصف الرملية ولا الحرارة القاسية، مما جعل مسؤوله يقول له بأن توقفه عن العمل سيضر به وأنه من غير الممكن له أن يستمر في العيش من دون مقابل، لكن أمام إصراره، كونه مدنيا، تم نقله ليلة إجراء التجارب النووية الكبرى إلى الجزائر العاصمة عبر الطائرة، وهو ما جعله يشعر بالخوف طوال الرحلة التي دامت أكثر من 6 ساعات، ليس من الرحلة الجوية ولكن من إمكانية أن يلقى حتفه من خلال رميه من الطائرة، كما حدث للشهيد عمر المختار، ليتنقل بعدها إلى وهران على متن سيارة أجرة، في اليوم الذي كان من المفروض أن يكون فيه ضمن الذين أخضعتهم فرنسا الاستعمارية إلى التجارب النووية.
ورغم ذلك، يقول عمي بحري إنه متأثر جدا من هذه التجارب التي عاش بعضا منها، كونها كانت أولية وتمهيدية خفيفة، مقارنة بتلك التي أطلق عليها اليربوع الأزرق، حيث كانت تُعطى لهم نظارات وأقنعة لا تصلح لشيء، حتى أنه خلال حديثه إلينا، قال إنه الآن وفي هذه اللحظة بالذات يتذكر جيدا الغبار الكثيف الذي كان يتصاعد من منطقة إجراء التجارب، وصعوبة التنفس التي كان يعاني منها في ذلك الوقت.
وقبل أن نفترق ونترك عمي بحري، المجاهد البشوش القنوع بقسمة الله، أبى إلا أن يقص علينا أمرا قال إنه لم يتفوه بها أبدا، وهو يسرده لنا لأول مرة في حياته كما قال- حيث تم إحاطة الحي الذي يقطنه بوهران من طرف العساكر الفرنسيين، وبدأت عملية تفتيش الجميع، جراء وشاية مفادها أن بعض المجاهدين سيزورون المكان وأن عددهم لا يعلمه إلا أصحاب الحي وساكنيه، والمشكل يقول عمي بحري أن قائمة القادمين من المجاهدين كانت في جيب سترتي، فما كان مني إلا أن انزويت في مكان بعيد عن الأعين وجذبت الورقة التي بها أسماء المجاهدين، فوضعتها في فمي وأكلتها، غير أن أحد الجنود لاحظ ذلك فجذبني بقوة وجرني أرضا، وطلب مني أن أخرج ما وضعته في فمي، فقلت له إنني لا أملك شيئا، فما كان منه إلا أن ضربني بالرشاش على رأسي، فشقني وبقيت الآثار إلى الآن، وكان ذلك خريف عام 1961.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : ج الجيلالي
المصدر : www.el-massa.com