تواصلت فعاليات الأيام المسرحية للجنوب التي يحتضنها المسرح الوطني الجزائري «محي الدين بشطارزي» في يومها الثالث، بعرض مسرحية «البقعة السوداء» لفرقة مسرح الهواة لورقلة، وقد تم العرض أمام جمهور قليل،معظمه من فنانين مسرحين، كتاب، مثقفين ورجال إعلام.المسرح في الجنوب يبشر بمخزون طاقوي ثقافي كبير يمكنه أن يغذي الحقل الثقافي الجزائري لعدة عقود، دون أن ينضب معينه ويفرغ خزينه لما يمتلكه هذا الجنوب الكبير من خامات لو حسن استثمارها لأمدنا بالكثير من الروائع.
أينما يحل الجنوب تحل الثقافة، تنبع الأصالة وينفتح المخيال على فضاءات لا أبواب لها، حيث كلها تسبح في ملكوت لا متناهي وتسافر في عمق زمن مجرات بملايير السنوات الضوئية، ففي الصحراء تنبت الأساطير، تسمق الحكايات وترتوي الذاكرة بما خلفه الأسلاف، ليواصل سيره على أرض رملية تحت نخلة ترقص لأرق نسمة يجود بها ليل الصحراء.
البقعة السوداء مسرحية قام بها ثلاثة شبان لخصوا من خلالها تاريخ مدينة ونصبوا لها محاكمة لحاكمها الراحل في شخص ابنه، الثلاثة هم؛ عرباوي المهدي الذي كتب المسرحية، أخرجها ومثل أحد شخوصها الثلاثة الذين يروون قصة مدينة، ومروان بلجراف وجمال مشري.
موسيقى معبرة تنبع من وسط دخان كأنه ينبئ بميلاد مارد من زمن الأساطير، لينجلي عن كرسي تعلوه بقعة سوداء كأنها مربوطة بخيوط عنكبوت، يمر المشهد الأول في صمت تفسره الإيحاءات والحركات، كلمات صامتة مشاهد وحركات، بل وسكنات تقول أكثر مما تقوله مئات الكلمات.
نص المسرحية قصة عشق بين شاب وشابة، إلا أن حاكم المدينة يغتال هذا الحب بما له من نفوذ وسلطان، يسلب هذه الجميلة من حبيبها ليزوجها إلى ابنه، مما يجعل من
تلك الشابة تقرر الهجرة ومغادرة المدينة هروبا من الظلم الذي لحقها ومرارته، ولا تترك لحبيبها إلا تلك الرسائل التي تحولت إلى جمر يحرق قلبه.
يستمر النص في سرد الوقائع بمغادرة حكيم المدينة للمدينة، لأنه قدم نصائحه للحاكم وبين له عيوبه وانتقده، مما جعل الحاكم يصنفه ضمن المتآمرين على النظام.
المسرحية تدور بلسان الشابين الذين يتصارعان على الكرسي الذي يبقى ملتقى الصراعات الاجتماعية والسياسية، وتدور حوله الأفلاك، النجوم والشياطين والملائكة والخير، الشر والظلم والجور والحق والعدل، الرفعة، الانحطاط، القوة والضعف.
يحاكم ابن حاكم المدينة بكل ما اتهم به حكم أبيه الراحل من جورو ظلم
واستبداد، الثأر من الابن بالجرائر التي ارتكبها الأب، يحملونه أوزار أبيه.
تنتهي المسرحية التي تدوم 40 دقيقة في شبه منولوغ بموت ابن الحاكم.
النص ببساطة وعفوية يلخص واقع المجتمعات العربية وما تعيشه من اضطرابات سياسية واجتماعية.
المسرحية فيها أشياء مكثفة عن أنانية الإنسان في صراعه النفسي، عن الاستبداد والظلم الذي يتحول إلى جينة تورث للأبناء، لتستمر جرثومة الظلم تجرع الناس كؤوس المرارة، الحيف والبؤس.
المسرحية تحاكم الراهن العربي بأنظمته المستبدة التي لا تخرج من أناها ولا تنفتح على المجتمع، حيث تختصره فيها فقط لتشبع رغباتها وحاجاتها على حساب رغباته وحاجاته.
المسرحية تسرد واقعا دون أن تحدد مكانه وزمانه، الواقع الذي تجري أحداثه في كل الأمكنة والأزمنة ليس من أساطير الجنوب ولا من منحوتاته، بل من كل ما يمكن أن نشتقه من الإنسانية جمعاء، منذ أن وجد الظلم والعدل، الحق والباطل ، الحب والكره، وتبقى المسرحية تبشر بمستقبل واعد من خلال تجسيد هذه الأدوار بلغة عربية فصحى قريبة من الشعر.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : ابن تريعة
المصدر : www.el-massa.com