
الحاج مصطفى سريدي معلم شهد له الكثير بأنه متميز في عطائه وخدمته للساحة الثقافية، فقدته مدينة قالمة والجزائر كلها بعد مرض مفاجئ ولّد حزنا لكل من عرفوه، وهو أبرز الوجوه التي تركت بصمتها على المشهد الثقافي والأدبي على المستوى المحلي، شغل منصب رئيس المجلس الولائي بقالمة من عام 1974 الى 1979.«الشعب»، تعرض بعض تفاصيل حياته، استنادا إلى شهادات ومداخلته التي كانت بمناسبة ذكرى رحيل الرئيس هواري بومدين مؤخرا، مدوّنة بخط يده تحصلت عليها من متحف المجاهد بذات الولاية. ابنته منيرة : ثقته عمياء بالمواهبتحدثت ابنة المرحوم الكبرى منيرة ل»الشعب» عن السيرة الخيرة التي يحملها والدها وعطائه الدائم قائلة: «يتوافد على البيت الكثير من الطلبة وأصدقائه، عُرف بصدقه وتفانيه في تلقينهم العلم، وقد انضم لجمعيات حيث كان رئيسا شرفيا لجمعية ترقية السياحة والعمل الثقافي بقالمة، إضافة إلى كونه عضواً بجمعية التاريخ والمعالم الأثرية، ساهم في عديد الندوات والمؤتمرات وأغلبها كانت مداخلات، كذلك نشط في المساجد وقدم دروسا دينية في الوعظ والإرشاد برمضان».اطلعت «الشعب» على بعض الشهادات الشرفية والتكريمية التي تحصل عليها المرحوم خلال مشاركته بالتظاهرات والفعاليات الثقافية عبر التراب الوطني، شهادات عُلقت على جدران البيت ومنها ما يحتفظ بها بالخزانة بصالة الاستقبال الكبيرة، ومنها ما هو محتفظ به بالدرج، والتي كانت بين أيدينا خلال المقابلة، منها شهادة تكريمية تشريفا لمشاركته بإنجاح فعاليات الملتقى الوطني الأول حول «المرأة في الأدب الجزائري المعاصر».وبينما نطلع على تلك الشهادات، لمحنا مقالا يحتفظ به ضمن تلك الشهادات جاء بعنوان: «قم للمعلم» بقلم الديبلوماسي عبد العزيز رحابي، تحدث فيه عن المعلم ودوره في تربية النشء، حيث قال عن الشيخ إنه أستاذ مزدوج اللغة، عاشق المتنبي، كان دائما يحمل بين يديه كتاب حنا الخوري الموسوم «مختارات من الأدب العربي».وقالت ابنة سريدي ل»الشعب»، إنه متمسك باللباس التقليدي لمنطقته الذي كان يميزه في كل الملتقيات ويحب البروز به؛ رجل عصري متمسك بتقاليد أجداده، فالحداثة لم تنسه تقاليده، حيث يلبس «العراڤية» والجبة البيضاء في فصل الصيف، وأما شتاءً فيستعمل البرنوس، كان الكل يشهد له بأناقته في اللباس والكلام ومشيته، كما أنه مثال للأب الحنون والعطوف. فلم يكن غليظا، يحب الإقناع بالأحاديث التي يحفظها ولم يكن كثير الكلام، يحترم الكبير والصغير.كان المرحوم، بحسب ما أكدته ابنته البكر، همّه تربية النشء ليترك أثرا طيبا من خلال التكوين وتصحيح المذكرات من الجانب النحوي، قائلة: «آخر كتاب صححه كان لبلال مرعي إمام مسجد النور، الذي قام بدوره بتقديم إهداء لمصطفى سريدي في آخر كتابه، والدي كتوم لا يتكلم عن أعماله الخيرة ومساعدته للناس، إنسان عمل في الخفاء، وكانت ثقته وأماله بهذه المواهب كبيرة كي تنهض بالولاية، كونه كان بعيدا عن التشاؤم». كما أكدت ابنته أن مكتبته الخاصة بالبيت تحتوي تقريبا ألف كتاب من مختلف العلوم منها الأدب، الدين، الفلسفة والسياسة، الفقه والتفاسير وكان واسع الاهتمامات، يقرأ كثيرا للمستشرقين، حيث أن آخر كتاب قرأه عن حياة مولود قاسم نايت بلقاسم، وزير ثقافة أسبق.وعن مرضه المفاجئ تقول: «كان يتمتع بصحة جيدة يتابع نظاما غذائيا ممتازا، ومنذ شهر لاحظنا أن صحته بدأت تتلاشى بسبب مرض، إلى أن وافته المنية عن عمر 81 سنة بمستشفى ابن سينا بعنابة».فيما قامت «الشعب» بالاطلاع على بعض الشهادات من أصدقاء المرحوم، حيث حدثنا، السيد فاضل السعيد، رئيس الديوان بالمجلس الشعبي الولائي، قال: إنه إنسان محترم وفي المستوى، تميز بالنزاهة والكفاءة، يكتب باللغتين العربية والفرنسية، ومؤخرا عكف على ترجمة القرآن الكريم من العربية إلى الفرنسية، بحسب ما علمنا من أصدقائه، إنسان ملتزم، خدم الشعب وساهم في تنمية الولاية، كونه شغل منصب رئيس المجلس الولائي بقالمة من سنة 1974 لغاية 1979».علاقة خاصة مع الرئيس الراحل هواري بومدينأكدت سمية بوعقبة، مديرة متحف المجاهد بقالمة، ل»الشعب»، أن الراحل مصطفى سرايدي يعرف برجل علم وثقافة لا يتوانى عن تقديم خدماته في المجال الثقافي، إنسان متميز بالعطاء ولا يبخل على أحد، حيث قام بتقديم محاضرة خصيصا لمتحف المجاهد بقالمة.وقد تحصلت «الشعب» على نسخة من تلك المحاضرة المخطوطة بيد الأستاذ الراحل سريدي. وفي هذا الصدد، أردنا نقل بعض تفاصيلها، حيث جاءت تلك المحاضرة بدعوة من الدكتور عبد الله بوخلخال، مدير جامعة عبد القادر الإسلامية بقسنطينة، أين ألقى محاضرة في رحاب هذه الجامعة تناول فيها حياة رمز من رموز هذه الأمة، يتعلق الأمر بالزعيم الراحل هواري بومدين، من شبابه إلى اعتلائه سدة الحكم وقد سلك في ذلك منهجية معينة ووقف على تحديد أشياء يعلمها إلا القليل.عالج المرحوم الموضوع، بحسب ما أكدته ذات المديرة ل»الشعب»، من باب معرفته للراحل هواري بومدين وأسرته ومجاورته لهم ببن عدي، حيث تطرق فيها لأسرة بوخروبة الفقيرة، أين كان الحاج ابراهيم، والد الزعيم الراحل بومدين، فلاحا لا يكاد يجني من أرضه الفقيرة إلا محصولا هزيلا يلبي الأمن الغذائي لزوجته بوهزيلة تونس وأبنائه وبناته زكية، العارفة، محمد، عبد الله، عائشة، الزهرة، السعيد وهو أصغرهم سنا.وتنحدر عائلة بوخروبة وسرايدي من شجرة ورز الدين التي ينحدر منها الجميع، كانوا يقطنون قي بني عدي غرب جنوبي قالمة ببضعة أميال متجاورين أرضا متلاصقين نسبا، حيث يقول في محاضرته: «أرضنا إلى أرضهم، تزوجوا منا وتزوجنا منهم فكان البعض للبعض لحمة الكل، ويفيد أباؤنا وأجدادنا الأولون أن كثيرا من العائلات تنطوي تحت شعار «ورز الدين»».ويقول الراحل الحاج سريدي في محاضرته، إنه السراد لغة معناها الذي يصنع السرد، أي الدروع والحلق، وليس بدعا أن يكون هذا من صلب ذاك؛ بمعنى أن سريدي انفلق من السرد.وأكد الحاج مصطفى سريدي، من خلال نسخة المحاضرة التي تحصلت «الشعب» على نسخة منها، أن محمد بوخروبة أخذ القرآن وهو طفل صغير من جماعة سريدي وبقي على هذه الحال بين أيديهم، يواصل ويواظب على يد سي محمد سريدي، وهذا ما زاده تأكيدا أحد أخواله المجاهد الحاج علي بوهزيلة. وبقيت الأمور تجري على النسق الكوني الذي أراده الله لها، إلى أن تحولت أسرة سريدي إلى مدينة قالمة وبها تم تسجيل الحاج مصطفى سريدي بمدرسة ألمبير إكمالية محمد عبده حاليا، أين تعلم مبادئ اللغة الفرنسية وفي وقت فراغه كان يتلقى قواعد اللغة العربية وطريقة التعبير والإنشاء. ولم ينس المرحوم التطرق إلى لحظة التحاقه بمؤسسة التكوين المهني، حيث أخذ فيها مبادئ النجارة لمدة عامين لكن دون جدوى، ثم تقدم إلى مسابقة أجريت بقسنطينة للدخول بما كان يسمى بالمدارس الحكومية، ويوجد في الجزائر كلها ثلاث مدارس من هذا النوع، في كل من قسنطينة والجزائر وتلمسان، وتحدث أيضا في محاضرته كونه تعلم اللاتينية التي بها أتقن الفرنسية، أما العربية فهي بفضل الله الذي هداه لحفظ القرآن.وكما لمحنا اعتزازه بالمصالحة التي أرجعت الأمن والاطمئنان للبلاد، حيث قال المثقف الراحل في هذا الصدد: «لئن أنجبت الحاجة بوهزيلة تونس محمد بوخروبة، فإن هناك أمّا أخرى فضلت على نساء زمانها بأن وهب الله لها غلاما زكيا صار أحد رواد الحركة الوطنية، وقطبا من أقطاب السياسة وأحد قادة الفكر الإنساني عبد العزيز بوتفليقة «عبد القادر المالي»، نسبة إلى دولة المالي في إفريقيا، فلئن كان الأول صرف بصره تلقاء دولة لا تزول بزوال الرجال، فقد جيئ بالثاني على قدر لإنجاز المشروع الحضاري العظيم عفوا شاملا كاملا، ومصالحة عامة تامة وأُلفة دائمة، جريا مع الفطرة البشرية، واعتبارا للسنن الكونية، وتفقها فيما تنص عليه الآيات القرآنية»، و(أن تعفو أقرب للتقوى) و(إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)، (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)، هكذا أنهى الراحل مصطفى سريدي محاضرته التي قدمها لمتحف المجاهد مدوّنة بخط يده وتوقعيه.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : أمال مرابطي
المصدر : www.ech-chaab.net