
في قلب وادي مزاب، تمثل مدينة القرارة نموذجا حيا لمجتمع حافظ على توازنه عبر قرون طويلة، مستندا إلى تعاليم الإباضية ونظام اجتماعي دقيق. لذلك لا يفهم العيد، سواء عيد الفطر أو عيد الأضحى، على أنه مجرد مناسبة دينية، بل هو امتداد عميق لبنية اجتماعية متجذرة في التاريخ.
ينتمي سكان مزاب إلى المذهب الإباضي، وهو من أقدم مدارس الإسلام، ويقوم على قيم العدل والمساواة والانضباط الجماعي. ومنذ تأسيس مدن الوادي، نشأ نظام اجتماعي خاص يعتمد على مجلس العزابة، الذي يشرف على شؤون الدين وينظم حياة المجتمع.
هذا التنظيم لم يكن ظرفيا، بل هو أساس استمرارية هذا المجتمع، حيث تمتد سلطته إلى ضبط المناسبات الكبرى، وعلى رأسها العيد، الذي يصبح مناسبة جماعية منظمة بدقة.
تقام صلاة العيد في فضاء مفتوح يعرف بالمصلى، وهو تقليد يعود إلى زمن النبي محمد، حيث كانت الصلوات الجامعة تؤدى في العراء.
هذا الفضاء يعكس مبدأ المساواة، إذ يقف الجميع صفا واحدا بلباس موحد، في مشهد يجسد وحدة المجتمع وتماسكه، بعيدا عن الفوارق الاجتماعية.
يرتبط عيد الأضحى بقصة النبي إبراهيم، غير أن ممارسته في القرارة تتجاوز البعد الفردي لتأخذ طابعا اجتماعيا منظما.
في بيئة صحراوية محدودة الموارد، فرضت الحاجة نظاما دقيقا يقوم على:
التويزة، وهي تعاون جماعي لمساعدة العائلات
توزيع اللحم بشكل عادل لضمان وصوله إلى جميع أفراد المجتمع
وبذلك تتحول الأضحية إلى وسيلة لترسيخ التضامن وتحقيق التوازن الاجتماعي.
تعكس أطباق العيد طبيعة الحياة في الواحة، حيث يقوم النظام الغذائي على الاقتصاد في الموارد والاستفادة منها كاملة. فالكسكس، ورأس الخروف، والأحشاء، كلها أطباق تعبر عن ثقافة عدم التبذير.
كما تحتل التمور مكانة أساسية، باعتبار النخلة عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
يشكل العيد مناسبة أساسية لتجديد العلاقات الاجتماعية. فالزيارات العائلية ليست مجرد عادة، بل هي طقس اجتماعي يعيد ترميم الروابط بين الأفراد.
التنقل من بيت إلى آخر، ومصافحة الجميع، يعكس أهمية الحضور المباشر في تثبيت العلاقات وإزالة ما قد يكون من خلاف.
بعد انتهاء الطقوس، تتجه العائلات نحو الواحة، التي تمثل فضاء طبيعيا للراحة واللقاء. هناك، تستمر أجواء العيد في ظل النخيل، حيث يلتقي الناس في بيئة هادئة ومنعشة.
عيد يعكس روح الجماعة
في القرارة، لا يقوم العيد على المظاهر الصاخبة، بل على قيم راسخة من الانضباط والتكافل والحياء. هو فرح هادئ يعبر عن مجتمع متماسك، استطاع أن يحافظ على تقاليده وهويته عبر الزمن، وجعل من العيد مناسبة لتجديد الروابط وإحياء روح الجماعة.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie
صاحب المقال : Hichem BEKHTI