عين-تموشنت - Mosquée et Zawiya de Sidi Yaakoub	(Commune de Oulhaça Gheraba, Wilaya de Ain Temouchent)

مسجد وزاوية سيدي يعقوب بولهاصة الغرابة: رباط الروح وحارس الساحل


مسجد وزاوية سيدي يعقوب بولهاصة الغرابة: رباط الروح وحارس الساحل

على حافة الجروف المطلة على البحر الأبيض المتوسط، تنتصب زاوية ومسجد سيدي يعقوب كواحد من أقدم المعالم الدينية في غرب الجزائر، شاهدةً على تداخل الروحاني بالاستراتيجي، والديني بالدفاعي. فهذا الموقع لم يكن مجرد فضاء للعبادة، بل شكّل عبر القرون رباطًا يحمي السواحل ويؤطر المجتمع علميًا وروحيًا.

المؤسس: سيدي يعقوب بن الحاج التلمساني
ينتسب سيدي يعقوب بن الحاج إلى مدينة تلمسان، حيث وُلد أواخر القرن الثالث عشر في ظل الدولة الزيانية، التي كانت آنذاك مركزًا علميًا وثقافيًا بارزًا في المغرب الأوسط. تلقّى تعليمه في تلمسان، ثم ارتحل إلى فاس، إحدى كبريات الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، حيث برع في الفقه وتولّى القضاء.

وبفعل الاضطرابات السياسية التي عرفتها تلمسان في تلك الفترة، اختار سيدي يعقوب العزلة والتفرغ للعلم والعبادة، فاستقر على ساحل أولهاصة، في موقع مرتفع يطل على البحر. هناك أسّس نواة زاويته، التي سرعان ما تحولت إلى مركز إشعاع علمي وروحي. ويُرجّح أن وفاته كانت حوالي سنة 1410م.

التأسيس والعمارة: بصمة زيانية أصيلة
شُيّد المسجد والزاوية سنة 739 هـ (1338-1339م)، في فترة ازدهار العمارة الزيانية، مما يجعل هذا الصرح من أقدم المؤسسات الدينية التي ما تزال قائمة بوظيفتها في المنطقة.

وتحمل عمارة الموقع سمات واضحة من الطراز الزياني، القريب من مدرسة تلمسان وفاس، حيث نجد:

  • مئذنة مربعة الشكل يبلغ ارتفاعها نحو 15 مترًا، تعكس الطابع المغاربي التقليدي.

  • سقفًا من خشب الأرز المنقوش، يجسد دقة الحرفيين آنذاك.

  • قاعة صلاة تقوم على أقواس نصف دائرية، يتوسطها محراب مزخرف ببساطة وأناقة.

ومن أبرز ما يميز هذا الموقع نظامه الذكي لتجميع مياه الأمطار، إذ يحتوي على صهريج (جب) كبير بسعة تقارب 250 مترًا مكعبًا، وهو حل معماري يعكس التكيف مع ندرة المياه فوق الجرف الصخري.

الزاوية كرباط: بين العبادة والدفاع
لم تكن زاوية سيدي يعقوب مجرد فضاء للتعليم الديني، بل أدّت دور “الرباط”، أي الحصن الروحي والعسكري في آن واحد. فقد اختير موقعها بعناية، بحيث يكون محميًا من أنظار السفن في عرض البحر، ما وفّر ملاذًا آمنًا للطلبة والسكان من هجمات القراصنة، خاصة خلال فترات التوتر مع القوى البحرية الأوروبية.

وتتناقل الذاكرة الشعبية حكاية مفادها أن سيدي يعقوب تمكن، بكراماته، من السيطرة على سفينة إسبانية، ولم يُفرج عنها إلا بعد أن زوّدته بخشب لبناء سقف المسجد، وهو خشب يُقال إنه وصل إلى الشاطئ بفعل الأمواج.

كما لعبت الزاوية دورًا في تعبئة السكان وتنظيم الدفاع المحلي، سواء خلال المحاولات البرتغالية لغزو السواحل في مطلع القرن السادس عشر، أو لاحقًا خلال مقاومة الأمير عبد القادر في القرن التاسع عشر.

تراث حي بين الماضي والحاضر
أُدرجت زاوية سيدي يعقوب ضمن قائمة التراث المحمي لولاية عين تموشنت سنة 2004، اعترافًا بقيمتها التاريخية والمعمارية. ولا يزال الموقع إلى اليوم يؤدي وظيفته الروحية، حيث يستقبل الزوار وطلبة العلم، كما يشهد زيارات موسمية (وعدات) يحضرها مريدون من مختلف مناطق الغرب الجزائري.

وهكذا تبقى زاوية سيدي يعقوب أكثر من مجرد معلم أثري؛ إنها ذاكرة حيّة تختصر قرونًا من العلم والتصوف والمقاومة، وتطل بصمتها الخالدة على البحر، كحارس للروح والتاريخ معًا.



سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)