سطيف - PATRIMOINE

سيدي محند أوقري ومناقبه العلمية



سيدي محند أوقري ومناقبه العلمية
يعتبر سيدي محند أوقري أحد علماء بلاد القبائل( زواوة) البارزين في ميدان نشر العلم بمنطقة آث يعلى، وأحد أقطاب الأولياء الصالحين، عمل لدنياه ولآخرته، وفق منهاج معتدل، جعله يمسك القلم بيد، والفأس بالأخرى، فعاش من ثمار جهد عرقه بعد أن أحيا أرضا مواتا، حوّلها إلى بساتين غناء، وشيّد زاوية( ثيمعمرث) للمعرفة والتعبد والمصالحة، اشتهرت باسم" الجامع أوقري"، ظلت تشع نورا، وتهدي الخلق إلى الصراط المستقيم. وعندما اندلعت الثورة التحريرية الكبرى صارت قلعة للمجاهدين، ومازالت بفضل جهود المخلصين من أحفاده - يتقدمهم عبد الوهاب حمودة - تواصل رسالتها العلمية والاجتماعية، وعليه فهي جديرة بوقفة نستذكر فيها تاريخها التليد، وننفض غبار النسيان عن أمجادها الجديرة بالإشهار.

من هو سيدي محند أوقري ؟
يسود الاعتقاد لدى أحفاده أن الشيخ سيدي محند أوقري، ينتمي إلى أشراف الساقية الحمراء، يكون قد درس في مدينة فاس حسب رواية الحسين الورثلاني، ثم انتقل إلى بلاد الزواوة، واستقر في آث يعلى رفقة إخوانه؛ بوعبد الله ، وعبد الرحمن ، وتواتي، والحسين، وبعض رفاقه من عائلة إكثاف (أكتوف) الحالية.
ويرجح الأستاذ عبد الحميد زاهير- وهو من أحفاده- أن سيدي محند أوقري يكون قد عاش مابين القرن السابع عشر، والنصف الأول من القرن الثامن عشر( 1635-1720)، واستخلص ذلك من قول الحسين الورثلاني(1713-1780)،الذي ذكر أنه أدركه في طفولته.

استقر الشيخ سيدي محند أوقري في مكان منخفض يدعى " لخناق"، وهو موقع متميز بتوسطه لمناطق آث يعلى، وجعافرة، وثاسمارث، وبوفرة المياه ، لذا بنى طاحونة لرحي الحبوب. ولكنه لم يلبث أن ترك هذه المنطقة الخصبة، لينتقل إلى قمة جبل تدعى" تيزي نتعساسث"، ميزتها الحصانة، والإشراف على العديد من قرى آث يعلى، وآث ورثيلان، وإلماين، ويمتد النظر فيها الى جبال جرجرة ، وأكفادو، والبيبان، لذا استحق هذا المكان تسمية " القلعة " عن جدارة. وحظي سيدي محند أوقري بالترحاب من طرف العائلات القليلة المقيمة هناك؛ آث مسعود، وآث عيسى، واعلي، وآث أومزيان، وآث بوطيح، وعائلة بلعزوق. ومن المرجح أن يكون قد اختار هذا المكان المقفر، من أجل التعبد والتصوف وإبعاد طلبته عن ضوضاء العمران، وأكد ذلك الحسين الورثلاني بقوله>(1) هذا والجدير بالذكر أن الرحالة الحسين الورثلاني قد تزوج بنت الشيخ الفقيه سيدي بركات، وهو من أحفاد سيدي محند أوقري(2) .


وعقب سيدي محند أوقري خمسة أولاد وبنتا هم :
1- بركات، تنتمي إليه عائلات: بركات، قري، توتي، توازي بن حماده.
2- بلقاسم ، عقب بنتين.
3- حموده، تنتمي إليه عائلات: حمودة ، بداني ، كبير.
4- عبد المجيد، تنتمي إليه عائلات: باجي ، عبد الحميد، موسي.
5- لونيس، تنتمي إليه عائلة بزاز.
6- بنت توفيت عازبة.

فضائل المعمرة
واعتبارا لمكانة الشيخ سيدي محند أوقري السامقة في المجتمع، فقد ساعده السكان في بناء مؤسسته العلمية، بناء جيدا بمواصفات عصره، وبطريقة فنية جميلة، أبدع فيها البناؤون في استعمال الحجارة المنحوتة، وتنميق سقفها بالأخشاب والقرميد، زادها بهاء ورونقا. وخصص الطابق الأرضي للتعليم، والطابق العلوي مسجدا للصلاة، ولكل منهما مدخله الخاص، وقصد طلاب العلم هذه الزاوية حتى من خارج آث يعلى.
تخرج منها العديد من العلماء، أكثرهم من صلب أحفاده، منهم سيدي عبد الرحمن بن بركات، الذي رافق الحسين الورثلاني الى البقاع المقدسة، وسيدي المدني بن حمودة بن قري الملقب بالقطب الرباني، وسيدي العربي لونيس، وسيدي محمد الصغير بن سنوسي، والشيخ الطيب أوقري، والشيخ الصالح أوقري، وغيرهم، اشتهروا بالإفتاء، وتوثيق عقود البيع والزواج، وتحرير محاضر اجتماعات المصالحة وتقسيم الميراث، ولا تزال عائلات أحفاد الشيخ محند أوقري تحتفظ بكم هائل من الوثائق والمدونات،أكدت نجاح هذه الزاوية في جعل اللغة العربية لغة عمل، وهذا خلافا لادعاءات الفرنسيين الذين شوّهوا تراثنا العربي الإسلامي، حين ربطوه بالشعوذة والدروشة. ونقدم هنا وثيقة عقد الزواج حررت سنة 1883م، تؤكد ما ذكرناه:>(3). 0
هذا وقد تأثرت زاوية سيدي محند أوقري بالكارثة الطبيعية التي ألمت بالجزائر في سنوات1865-1866-1867 حينما ضرب الجفاف بقوة، أدى إلى انتشار المجاعة والأوبئة الفتاكة، فاضطر سكان القلعة الى هجر قريتهم، ونزح أحفاد الشيخ سيد محند أوقري الى القريتين ثامالوث، وثيقرث القريبتين من القلعة. هذا وقد أطلعني الأستاذ عبد الحميد زاهير على مخطوط هام أشار إلى هذه المجاعة:>
ومن جهة أخرى لم يهمل أبناؤه وأحفاده الأشغال الفلاحية، إذ استصلحوا الأرض، وأقاموا المصاطب لتلافي ظاهرة انجراف التربة، وبنوا حاجزا مائيا( أﭬولميم)، وبئرا لتجميع المياه، وغرسوا الأشجار المثمرة كالتين والزيتون والرمان والاجاص، فحولوا الجبال ذات التضاريس الوعرة الى بساتين غناء، تدر محاصيل زراعية وفيرة، ضمنت العيش الكريم لأهلها.
علاقة الزاوية بالثورة
من الطبيعي أن تحتضن زاوية سيدي محند اُوقريُ الثورة َالتحريرية الكبرى التي اندلعت من أجل استرجاع السيادة الوطنية، واتخذها جيش التحرير مكانا مفضلا لعقد اجتماعاته، وفي يوم 8 ديسبمر1955م جرت معركة بقربها، كانت من أعنف المعارك، امتد لهيبها إلى قريتي ثيقرث، وثالاسوسث، وعلى اثر ذلك قام الجيش الفرنسي بتدمير وتخريب الزاوية، وتهجير سكان القرى المجاورة لها، فصارت تلك الأرض منطقة محرمة، قصد عزل الثورة عن الشعب. ومن المعارك التاريخية التي شهدتها القلعة، معركة 8 مارس 1960م، بين الجيش الفرنسي الذي جند قوات برية وجوية كبيرة، وبين 10 مجاهدين كانوا تحت قيادة الشهيد الطيب عبد الحميد( المدعو الطيب أوباجي)، نالوا الشهادة ولم ينج منهم سوى هذا الأخير، وتكبدت فرنسا خلال هذه المعركة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، إذ تم إسقاط طائرتين لا يزال حطامهما في بوعفير، وإغزر أوذرغال شاهدا على ضراوة القتال، علما أن المعركة دامت يوما كاملا.
الزاوية بعد الاستقلال
شرع محند أكلي أوقري حمودة(1903-1975) في ترميم الزاوية منذ سنة 1965م، بمساعدة زوارة الشؤون الدينية والولاية والبلدية والمواطنين، وتضمن التجديد شق الطريق لفك العزلة عن الزاوية، ولم تنته أشغال الترميم والتوسيع إلا سنة 1984م، أصبحت الزاوية بعد ذلك تضم المرافق التالية:
- الجامع حيث تقام الصلوات، وتلقى الدروس.
- المرقد يتكون من أربع غرف كبيرة.
- مطبخ ، ومخزن للمؤونة، وقاعة للإطعام.
- غرفة خاصة بوكيل الزاوية.
- أرض وقف محيطة بالزاوية، غير زراعية، ليس لها أي مدخول مالي، لكنها قابلة للاستصلاح.
ودشنت الزاوية يوم 3 مارس1987م، بعد تعيين معلم من طرف الشؤون الدينية وزارة، وتولى الأستاذ عبد الوهاب حمودة مهمة وكيل الزاوية. وفضلا عن ذلك صارت الزاوية معلما تاريخيا يجلب الزوار باستمرار ، يأتون من مناطق عديدة.
وفي الأخير لا بد من التنويه بجهود أحفاده الذين نجحوا في إعادة الحياة إلى هذه المؤسسة العلمية بعد الاستقلال، بمبادرة من السيد محند أكلي حمودة(1903-1975) ، ثم استلم منه نجله الأستاذ عبد الوهاب حمودة المشعل. كما تجدر الإشارة أيضا إلى جهود الأستاذ عبد الحميد زاهير، الذي انكب على الحفر في الماضي، من أجل إنقاذ تراث هذا العالم العارف وأحفاده،المخبوء في الذاكرة الجمعية، والمخطوطات المبعثرة لدى عائلات كثيرة، وأرجو له التوفيق في سعيه هذا، وأملنا أن نراه مجسدا في كتاب يثري صرح المكتبة الجزائرية. كما نرجو كل النجاح للجمعية الثقافية العلمية، التي أسسها أحفاد سيدي محند أوقري، بنيّة إعادة الإشراق إلى هذه المنارة بما يقتضيه العصر من أدوات وأساليب وأفكار جديدة، يساعد الزاوية ( ثيمعمرث) على تغذية عقول الناشئة بأفكار الأصالة والمعاصرة والتجديد، لأن الأبناء مخلوقون لزمن غير زمن الأجداد.
الهوامش
1- الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار ، مطبعة بيير فونتانة، الجزائر،1908، ص45.
2- مختار فيلالي، رحلة الورثلاني، دار الشهاب، باتنة ، الجزائر، بدون تاريخ ، ص16.
3- الوثيقة في حوزة الأستاذ عبد الحميد زاهير.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)