سطيف - Aït Yaâla ou Ath Yala ou Béni Yala

بني يعلى بين الوثيقة الاستعمارية والذاكرة المحلية: قراءة في أرشيف سنة 1896



بني يعلى بين الوثيقة الاستعمارية والذاكرة المحلية: قراءة في أرشيف سنة 1896

تشكل الوثائق الإدارية الصادرة سنة 1896 حول قبيلة بني يعلى (منطقة ڨنزات/ڨرڨور) مادة تاريخية مهمة لفهم التحولات العقارية والاجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر، في ظل تطبيق قانون السيناتوس كونسولت (Sénatus-Consulte) الصادر سنة 1863 في الجزائر.

وقبل الخوض في التفاصيل، من الضروري التذكير بأن مصطلح "قبيلة" في الوثائق الاستعمارية لم يكن يُستخدم دائمًا بالمعنى السلالي الخالص، بل كثيرًا ما كان يشير إلى تقسيم إداري أو إطار ترابي يضم عدة قرى وأعراش، يحمل اسم الكيان التاريخي الأقدم.


أولًا: السياق القانوني – ما هو السيناتوس كونسولت؟

صدر قانون السيناتوس كونسولت سنة 1863 في عهد الإمبراطور Napoléon III، وكان يهدف – رسميًا – إلى تنظيم الملكية الجماعية للقبائل الجزائرية. غير أن تطبيقه عمليًا أدى إلى:

  • تفكيك البنية الجماعية للملكية القبلية

  • تحويل الأراضي إلى وحدات محددة وقابلة للتسجيل الفردي

  • تمهيد الطريق لاحقًا للاستيطان الأوروبي

وفي هذا الإطار، أُجريت عمليات مسح وتحديد للأراضي في مختلف مناطق الجزائر، ومنها أراضي بني يعلى التابعة آنذاك لما كان يُعرف بـ"البلدية المختلطة ڨرڨور" (Commune mixte de Guergour)، وهي وحدة إدارية استعمارية كانت تجمع بين مراكز أوروبية ومجالات قبلية خاضعة لإدارة فرنسية مباشرة.


ثانيًا: المعطيات الديموغرافية – قراءة نقدية

تشير وثيقة 1896 إلى أن عدد سكان بني يعلى بلغ 18,029 نسمة، وتصفهم الإدارة بأنهم:

"من العرق البربري الممتزج بقوة بالدم العربي"

هذه العبارة تعكس لغة التصنيف العرقي السائدة في الفكر الإداري الاستعماري آنذاك، حيث كانت السلطات الفرنسية تميل إلى توصيف السكان ضمن قوالب إثنية جامدة. غير أن هذا التوصيف – رغم طابعه الإيديولوجي – يقر ضمنيًا بعمق التمازج الاجتماعي والثقافي في منطقة القبائل الصغرى، التي شكلت تاريخيًا مجال تفاعل بين المكونات الأمازيغية والعربية.


ثالثًا: التقسيم الترابي سنة 1896

بلغت مساحة أراضي بني يعلى 20,653 هكتارًا، وتم تثبيت تقسيمها نهائيًا بتاريخ 21 أفريل 1896 إلى ثلاثة دواوير رئيسية:

  • دوار حربيل (Harbil)

  • دوار عين لقراج (Aïn Legradj)

  • دوار خليجن (Khelidjen)

وكان هذا التقسيم جزءًا من إعادة هيكلة المجال الريفي بهدف تسهيل الجباية والمراقبة الإدارية، أكثر منه استجابة لتنظيم تقليدي داخلي.

وترتبط المنطقة تاريخيًا اليوم بكل من ڨنزات ومرتفعات ڨرڨور ضمن المجال الجبلي الممتد بين ولايتي سطيف وبجاية.


رابعًا: الاقتصاد المحلي – الزيتون عماد الحياة

تكشف الوثائق عن كثافة سكانية معتبرة في مجال جبلي يتراوح ارتفاعه بين 700 و1500 متر. وقد اعتمد السكان أساسًا على:

  • زراعة الزيتون

  • التين

  • بعض الزراعات المعيشية الجبلية

وتذكر التقارير بدقة عدد أشجار الزيتون المصنفة ضمن "الملك" (أي الملكية الخاصة)، مع تحديد توزيعها على القرى. ويعكس هذا التفصيل حرص الإدارة على ضبط الموارد الإنتاجية تمهيدًا للجباية أو لأي تصرف قانوني لاحق.


خامسًا: أثر ثورة 1871 والعقوبات المالية

أكدت الوثائق مشاركة بني يعلى في انتفاضة 1871، وهي الثورة الكبرى التي قادها الشيخ المقراني والشيخ الحداد ضد الحكم الاستعماري.

وعقب قمع الانتفاضة، فُرض على القبائل المشاركة نظام "الحجز" (Séquestre)، أي وضع أراضيها تحت تصرف الإدارة الاستعمارية مؤقتًا، إلى حين تسديد غرامات مالية.

وقد اضطرت بني يعلى إلى دفع مبلغ ضخم قدره 217,274 فرنكًا لاسترجاع أراضيها، وهو رقم كبير بمقاييس تلك المرحلة، ما يعكس حجم العقوبة الجماعية المسلطة على المنطقة.


سادسًا: القرى والأسماء – قيمة أنثروبولوجية

من بين القرى المذكورة في الوثائق:

  • ڨنزات

  • فوملال

  • تيطست

  • بوحلوف

  • تيزي مجبر

  • الشريعة

كما وردت أسماء عائلات وأفراد في سياق الاعتراضات أو إثباتات الملكية، مثل:

  • زروال

  • سماتي

  • زيتوني

  • كونيز

  • الطيب بن والي

وتكتسي هذه الأسماء أهمية خاصة للباحثين في التاريخ المحلي والأنساب والدراسات الأنثروبولوجية، إذ توفر مادة أولية دقيقة حول البنية الاجتماعية في نهاية القرن التاسع عشر.


قراءة تاريخية شاملة

تكشف وثائق 1896 حول بني يعلى عن ثلاث حقائق أساسية:

  1. أن التقسيمات القبلية كانت قد دخلت مرحلة إعادة تعريف قانوني تحت الإدارة الاستعمارية.

  2. أن المنطقة كانت ذات كثافة سكانية واقتصاد فلاحي جبلي منظم.

  3. أن مشاركة السكان في ثورة 1871 كان لها أثر اقتصادي مباشر استمر لسنوات.

وبالتالي، فإن هذه الوثائق لا تمثل مجرد أرشيف إداري، بل تعد شهادة على مرحلة مفصلية أعادت تشكيل العلاقة بين الأرض والسكان في جبال ڨنزات/ڨرڨور.

إن إعادة قراءة هذا الأرشيف اليوم تندرج ضمن استعادة الذاكرة المحلية، بعيدًا عن الخطاب الإداري الاستعماري، وبهدف فهم التحولات العميقة التي مست البنية العقارية والاجتماعية في المنطقة.

#بني_يعلى #قنزات #تاريخ_الجزائر #أرشيف #ڨرڨور #سطيف #بجاية #ثورة_1871



سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)