سطيف - A la une

أطفال بسطيف يتخذون من مخلّفات الأسواق مصدرا للاسترزاق



كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة مساء عند تواجدنا بسوق “لاندريولي”، أو كما يسميه السطايفيون سوق الزوالية، الذي كان خاليا من ضجيج الباعة وصراخهم، ولم يبق فيه سوى بعض باعة الشيفون يجمعون سلعتهم البالية التي تعود إلى موضة السبعينيات، إضافة إلى بقاء أثر الطاولات المتراصة أمام بعضها البعض مخلّفة مزابل عمومية تنتشر فيها جميع أنواع النفايات من كرتون و مواد بلاستيكية وأحذية وقطع الملابس والخضروات الفاسدة.
في هذا الفضاء يلتقي أطفال تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثانية عشر سنة معظمهم قادمون من حي شوف لكداد، والحي الذي يطلق عليه اسم حي لاندريولي المتواجد في عين لموس، لجمع هذه المواد خاصة البلاستيكية، وإعادة بيعها مجددا في جهات أخرى، ويشكل المبلغ المتحصل عليه من هذه التجارة طموحا صعب مناله أمام أعين هؤلاء الأطفال.
حينما يتعلق الأمر بلقمة العيش، لا مجال للحديث عن السن والبنية الجسدية.. وفي الوقت الذي يستمتع أقرانهم بطفولتهم، ويعيشون في ظروف تحتوي شروط الحياة الصحية والنمو بصورة طبيعية، تجد فئة من الأطفال نفسها مرغمة على البحث عن مصادر للاسترزاق حتى ولو شكل ذلك خطرا كبيرا على حياتهم. لكن حينما يتعلق الأمر بلقمة العيش أو المساهمة في ضمانها في وقت غاب فيه أو توفي رب الأسرة الذي كان مكلفا بهذه المهمة، فلا مجال للحديث عن السن أوالبنية الجسدية، أو الطريقة والوسيلة، فالمهم هو الكسب حتى وإن كان ذلك في المزابل العشوائية ومخلّفات هذا السوق.
وقفنا أمام هذا الوضع وقفة قادتنا إلى القيام بجولة بسيطة في السوق، أين سجلنا حقائق مرة.. فأمام أكوام النفايات المترامية هنا وهناك وقع نظرنا على طفل نحيف الجسد صاحب العشر سنوات من عمره، الذي لم يشفع له جماله وعيناه الزرقوان أن ينعم بحياة هنيئة، حيث كانت الملابس الرثة التي يرتديها تؤكد حالته الإجتماعية الصعبة، وكان الطفل المغبون يحمل كيسا أسود ويجمع الخضر والفواكه الفاسدة لعلها تسكت آلام الجوع والحاجة. وفي الجهة المقابلة انهمك طفل آخر محاولا جلب أكوم القاذورات بإصرار كبير، راقبناه لمدة خمس دقائق لينجح أخيرا في الحصول على ضالته المتمثلة في حبة تفاح نصفها فاسد، ولم يهتم بمشكل النظافة لأن بطنه الخاوي كان مستعدا لأكل أي شيء يجده أمامه. وبعد الانتهاء من هذه المعركة أخذ الطفلان يتبادلان نظرات وبسمات بريئة..
نظرات حادة وسلوك عدواني..
استجابة لرغبتنا الكبيرة في التعرف على هذه الفئة حاولنا الاقتراب من مجموعة أخرى تتكون من 8 أطفال يرتدون ملابس رثة يمتلكون نظرات حادة وسلوكا عدوانيا، و صرخاتهم ملأت المكان مستعملين ألفاظا تخص الكبار وكأنهم رجال تحملوا قساوة الدنيا وتعرضوا لمشكلاتها وهمومها رغم صغر سنهم، حيث صدمنا بواقع صعب جدا، لاسيما أنهم يخفون تحت ملابسهم سكاكين قاموا باقتنائها لغرض حراسة ممتلكاتهم، وأي ممتلكات تجنى من القاذورات؟!. تمكنا أخيرا من الحديث إليهم وكان كلامهم يعبر عن متاعب كثيرة تتخلل حياتهم وقضت على طفولتهم وأفكارهم البريئة. وحينما أردنا مداعبتهم نظر إلينا أحدهم باستهزاء ولم يقبل منا معاملته كطفل لأنه رجل على حد تعبيره، ثم انصرف الصغير بسرعة لم نعرف حتى اسمه في خبايا المزبلة، لعله يجد شيئا يعيد إليه بسمته وطفولته الضائعة وسط الصعاب والحاجة والروائح الكريهة، والكلاب الضالة والحيوانات الخطيرة التي قد تتسبب عضة منها في فقدانه للحياة.
معظمهم أطفال غير شرعيون
إثر هذا الوضع قمنا بتحقيق بسيط للكشف عن الأسباب الحقيقية التي أفرزت هذا الوضع في ولاية لم تعرف الكثير من هذه المظاهر، فأكد العديد من التجار والسكان المجاورين للسوق أن معظم هؤلاء الأطفال هم نتاج العلاقات غير الشرعية، وهي الظاهرة التي اكتسحت ولاية سطيف مؤخرا بقوة، وتقارير مصالح الأمن تؤكد ذلك في ظل غياب تكفل الجهات الوصية بهذه الفئة. ومن جهة أخرى لا يخفى علينا أن العديد من العقبات لاتزال تقف دون تطبيق التعليمات والتقارير المتعلقة بتطوير ميثاق الطفل في الجزائر، بما فيها الجهل والأمية التي تدفع الكثير إلى تحميل أخطائهم لصغار لا ذنب لهم، والأمر يعد نتيجة لعدم تفعيل آليات المراقبة الميدانية للسلطات المعنية بالخصوص في المناطق المعزولة.
الاهتمام بمعاناة الطفل أولى من الاحتفال بيومه العالمي
مع إحياء اليوم العالمي العالمي للطفل أكدت مجموعة من الباحثين على ضرورة صب الإهتمام على معاناة الطفل في الجزائر تجاه عدة مشاكل، سواء كانت أسرية نفسية أواجتماعية بصفة عامة. فعوض الاحتفال بهذا اليوم مع الملائكة الصغار و رؤية الابتسامة و الفرح على وجوههم، نجد حزنا عميقا وبؤسا كبيرا على وجوه أخرى للأطفال المحرومين والمشردين وضحايا تصرفات الكبار. الحلول، حسب علماء الاجتماع، صعبة في أغلب الأحيان لأن أسباب هذه المشاكل متعددة رغم وجود عدة قوانين ولوائح من أجل حماية الطفل، لكنها ليست كفيلة بحلها طالما توجد هناك عدة ظواهر سابقة مثل الآفات الاجتماعية، الحرمان والتسرب المدرسي، وأخرى ظهرت حديثا مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال واختطاف الأطفال لسرقة الأعضاء.. الخ


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)