
تقع مدينة البرواغية جنوب المدية، في المنطقة الجبلية والاستراتيجية لتيطري، وتحتل مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية الجزائرية. وإذا كانت اليوم قطبًا حضريًا مهمًا، فإن اسمها يظل مرتبطًا بسجنها الفلاحي، ذلك المعلم الذي كان جزءًا من الجهاز القمعي الاستعماري قبل أن يتحول إلى رمز للمقاومة الوطنية.
1. تيطري: حصن طبيعي وتاريخي
تُعدّ تيطري إحدى المقاطعات التاريخية للجزائر الوسطى، وهي منطقة انتقالية بين سهول التل والهضاب العليا.
الجغرافيا: يتميز إقليم تيطري بتضاريسه الوعرة ومناخه القاسي، ما جعله عبر التاريخ أرض عبور وملاذًا استراتيجيًا.
التاريخ: في عهد الأمير الأمير عبد القادر، كانت المدية (عاصمة تيطري) مركز قيادة رئيسيًا. واستمر هذا الإرث المقاوم خلال حرب الاستقلال ضمن الولاية الرابعة التاريخية.
2. نشأة السجن الفلاحي بالبرواغية
بدأ التاريخ السجني للبرواغية في القرن التاسع عشر، بعد الاحتلال الفرنسي بوقت قصير. وقد ارتكز مفهوم 'السجن الفلاحي' على أيديولوجيا استعمارية خاصة تقوم على الاستيطان عبر العمل العقابي.
الهدف: استغلال اليد العاملة المجانية للمساجين (غالبًا من “الأهالي” الذين أُدينوا بمخالفات بسيطة أو لأسباب سياسية) لاستصلاح الأراضي القاحلة وتحويلها إلى مزارع منتجة (الكروم، الحبوب، البساتين).
الهندسة المعمارية: شُيّد السجن كحصن وسط الحقول، وكان يهدف إلى الاكتفاء الذاتي. لم يكن السجناء مجرد معتقلين، بل كانوا أيضًا بناة البنية التحتية الاستعمارية في المنطقة.
3. معلم بارز في الثورة الجزائرية (1954–1962)
خلال حرب التحرير الوطني، تغيّر دور سجن البرواغية وأصبح من أكثر مراكز الاحتجاز رهبة بالنسبة لمناضلي جبهة التحرير الوطني ومجاهدي جيش التحرير الوطني.
ظروف الاعتقال والقمع
تشير شهادات معتقلين سابقين إلى واقع يومي اتسم بـ:
الأشغال الشاقة تحت شمس حارقة أو في برد تيطري القارس.
التعذيب المنهجي أثناء الاستنطاق.
انضباط صارم فرضته الإدارة السجنية الفرنسية.
“قلعة المقاومة”
ورغم القمع، تحوّل سجن البرواغية إلى ما يشبه “مدرسة لتكوين الإطارات”. فقد نظم السجناء السياسيون داخله:
دروسًا لمحو الأمية والتثقيف السياسي.
إضرابات عن الطعام للمطالبة بالاعتراف بصفة أسير سياسي.
هيكلًا تنظيميًا سريًا حافظ على المعنويات وتماسك الصفوف خلف القضبان.
4. البرواغية اليوم: الذاكرة والتراث
لا يزال المركب السجني قائمًا اليوم، غير أن دلالته تغيّرت. فاستحضار اسم البرواغية لدى الجزائريين يعني استذكار التضحيات التي قُدمت في سبيل الاستقلال.
سياحة الذاكرة: باتت منطقة تيطري تستقطب عددًا متزايدًا من الباحثين والمهتمين بالتاريخ الراغبين في توثيق بقايا الحقبة الاستعمارية.
التنمية المحلية: تطورت مدينة البرواغية حول هذا الإرث التاريخي، وظلت معبرًا حيويًا يربط شمال البلاد بجنوبها.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie
صاحب المقال : Rédaction