الجزائر-العاصمة - Revue de Presse

وسائل النقل أصبحت فضاء لاستعادة الذكريات!‏الاكتظاظ في طرق العاصمة يؤكد مقولة ''كبرت في الطريق''



تبدو أحيانا المسافة بين العمل والبيت بمثابة سفر طويل، ليس فقط بسبب الكيلومترات التي نقطعها، ولكن غالبا ما تكون بسبب الاكتظاظ في الطريق الذي يطيل عمر تنقلاتنا لدرجة جعلت الجزائريين لايتوانون عن القول عند الوصول أخيرا إلى البيت أو العمل ''كبرت في الطريق''.
وتختلف سلوكات وردود أفعال الناس وهم في حالة الانتظار للوصول إلى ''بر الأمان''، لاسيما إذا كانت المسافة بعيدة جدا بين البيت ومقر العمل، مما يجعل من هذا الوضع روتينا يوميا يحتاج إلى كسر حتى يخفف المرء من ضغط النقل.
وعموما، تلاحظ المعاناة على أوجه الناس، في وسائل النقل باختلافها، في ذلك الصمت ''الرهيب'' الذي يسود في فترات طويلة، وفي الوجوه المتعبة لاسيما للعمال والعاملات الذين يغوص بعضهم في نوم عميق بمجرد الجلوس على كرسي.
لكن البعض الآخر لايبدو متأثرا كثيرا بحالة الاكتظاظ أو طول المسافة، فلايتعب من الكلام المتواصل طيلة الطريق، ولاتنحرج من إشراك الآخرين بقصصه حتى الشخصية منها، وفي ذلك السلوك طريقة لقتل الوقت -كما يقال- حتى ولو كان على حساب الآخرين.
تقول ثرية أنها تعاني كثيرا من مثل هؤلاء الذين لاينحرجون من الحديث بصوت عال في الحافلة ليُسمعوا الجميع ''حكايات حياتهم'' التي لاتهم أحدا في آخر المطاف... بل أنها تستغرب من بعض الأشخاص الذين يَروُون تفاصيل يومياتهم لأشخاص غرباء عنهم، دون أدنى اعتبار للإزعاج الذي يسببونه للبقية.
وبالنسبة لها، فإن قضاء ساعتين في وسائل النقل كل يوم للذهاب إلى البيت يعد فرصة لها من أجل إعادة ''شريط حياتها''، تقول ''إن المسافة الكبيرة بين البيت ومقر العمل يعطيني كل الوقت لإعادة التفكير في الكثير من المسائل التي تتعلق بحياتي سواء الخاصة أوالمهنية...ففي كثير من الأحيان أستعيد كل ماحدث لي في اليوم، وأفكر في أخطائي وفي زلاتي، وطبعا في الأشياء الايجابية التي حدثت لي، لكن عموما تطغى السلبيات على تفكيري مثلي مثل الغالبية، وأجدني أحاسب نفسي عن كل صغيرة وكبيرة...صحيح أن محاسبة النفس وتقييم الذات أمر إيجابي، لكن أن يكون ذلك تصرفا يوميا، فهو متعب، لكن ماباليد حيلة''.
وحتى تتجنب حالة التقييم الذاتي هاته، تفضل مريم وهي في الطريق من أو إلى البيت أن تستعين بخير جليس وهو الكتاب. تتحدث قائلة ''أفضّل قراءة كتاب أو جريدة وأنا في الحافلة، ولكن قبلها أدعو الله أن لايجلس أمامي رجل-تقولها ضاحكة- كون ذلك يزعجني كثيرا ويفسد علي راحتي في الجلوس، وأحيانا يكون سببا لبعض المضايقات والمشاكل. وفي حالة نسياني لكتابي، فإني أجد نفسي أفكر في سوء حظي بسبب عدم امتلاكي لسيارة -تضحك مرة ثانية- ''، وتشير إلى معاناتها اليومية الكبيرة في التنقل لأن المسافة بين البيت ومقر العمل طويلة جدا، وهي تضطر لأخذ ثلاث حافلات ذهابا وإيابا. وتضيف ''عادة أفكر في حياتي بصفة عامة، ثم أقول وأنا أُحدث نفسي بأن المعاناة يجب أن تنتهي يوما، وأنه من غير المنطقي أن أبقى على هذه الحال، أقول أنه لابد من حل لمشكل النقل ببلادنا، بتنويع وسائل النقل وتيسير الوصول إليها حتى لانضيع حياتنا في الطريق، فالوقت ثمين... من جانب آخر، تجدني أفكر في أشياء أخرى تتعلق بحياتي وأجري حسابات ذهنية لعلّي أخرج بنتائج لبعض الأمور التي تشغلني''.
والملاحظ أن نسبة كبيرة ممن تحدثنا معهم في الموضوع يُجمعون على أن أحسن حل لقضاء ساعة أو ساعتين في وسيلة نقل هو الاستماع للموسيقى أو الراديو إن كانت متوفرة سواء في جهاز ''أم بي''3 أو في الهاتف النقال، فهي أفضل طريقة تلهي الشخص حتى لايحس بطول المسافة وثقل الاكتظاظ في الطريق من جهة، كما تجنبه الاستماع لكلام الآخرين أو تبادل الحديث معهم في مواضيع تافهة.
لكن هذا لايمنع الإشارة إلى أن وسائل النقل تعد فضاء للتعارف أو لطرح قضايا وطنية اجتماعية وسياسية. ففي كثير من المناسبات تصبح منبرا لرصد الآراء المتعلقة بانشغالات المواطنين الذين لايترددون في التعبير عن مكنوناتهم حول الأوضاع في البلاد، مما يخلق نقاشات عامة قد تتخللها خلافات أو مواقف مضحكة-.

سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)