لعلّ من بين أهم الشواهد في جزائر تسعينيات القرن الماضي، هو من دون شك ما ظلّ يٌسمى ب»مثلث الموت» الشهير الذي كان ممتدا من ضاحية «بن طلحة» إلى منطقة سيدي موسى، مرورا بالأربعاء، حيث ظلّ هذا المثلث شاهدا بين تعاريجه على أشدّ مآسي سنوات الفوضى والجنون خلال ما عٌرف ب»العشرية الحمراء»، وبالتزامن مع انقضاء عشريتين على ما عرفته تلك المناطق من سيناريوهات هي أقرب إلى (الهيتشكوكية)، كانت ل»السلام» جولة ميدانية في هذه المناطق الموسومة ب»المنكوبة أمنيا واجتماعيا»، أين كانت لنا جملة من المشاهدات والانطباعات الحية، نسردها فيما يأتي:
كانت وجهتنا الأولى صوب ضاحية بن طلحة، دلفنا إلى إحدى جنبات الحي الكبير «الجيلالي» الذي عرف مجزرة نحر فيها 500 شخص كالنعاج في تلك الليلة الرهيبة (22 إلى 23 سبتمبر 1997)، قصدنا أحد المقاهي الشعبية الضيقة، والتقينا بمجموعة من الشباب الذي قابلونا بسحنات متعبة.
وبشيء من التحفظ حاولوا أن يواروه ببسمات شاحبة، قال رشيد، كمال، لطفي وكريم، وغيرهم من الشباب العشريني ممن كانوا أطفالا زمن اشتداد الأزمة الأمنية، أنّ نفسياتهم محطّمة بفعل ما نعتوها (الميزيرية)، عندما سألناهم، عما إذا حاولوا الاندراج في المسار التنموي الشامل، نظروا إليّ باستغراب مشوب بالأسى، بادرنا أحدهم: «كيف يراد لنا أن نفعل ذلك، ونحن محطمون ومحرمون من أدنى معاني الحياة؟»، وأعقب آخر: «هل ترى الطرقات غير المعبّدة والإنارة العمومية غير الموجودة مطلقا، ولعلمكم أنا لا أشتغل وأبي أيضا وهذا حال معظم شباب الحي، ونحن نقتات بقدرة ورحمة من الله !».
جاءنا شاب وقور في الثالثة والثلاثين من العمر، وبادرنا بأنه لم يستوعب مخطط المصالحة الذي أقرته السلطات قبل سنتين، وتضيف خديجة (24 سنة) يتيمة الأبوين: «لا أريد أن أدرك أي شيء»، وقالت إنّها لا يمكن أن تقبل بعفو السلطات عن قتلة والديها اللذين ذبحا أمام عينيها قبل أحد عشر سنة، ولا تزال آثار دمائهما إلى حد الساعة على أحد جدران البيت.
وفي سكون رتيب، رمى الشباب البطال بالمسؤولية على السلطات، فالبلدية غائبة حسبهم مثلها في ذلك الولاية، وحتى المساعدات التي كانت تتكرم بها مؤسسات خيرية وطنية ودولية، جرى تحويلها على نحو غامض مثلما قالوا، وأوضح رشيد بهذا الصدد: «أردنا النسيان، لكن الدولة لم تساعدنا على ذلك، تصوروا أنّ الأهالي يدورون خارج الزمن الجزائري، فلا مكتبة ولا نادي أنترنت ولا قاعة رياضة ولا نشاط صناعي أو تجاري.
غادرنا بن طلحة شاردين، لننزل ضيوفا على حي «الرايس» المجاور الذي اقترن هو الآخر بصفحة مؤلمة في صورة تلك الليلة السبتمبرية المفجعة من عام 1997، التي جرى فيها الفتك بخيرة أبناء الضاحية، كانت الحركة داخل المكان جدّ محدودة، وبدا الجرح الغائر باديا على الوجوه، اقتربنا من الشابة (يمينة. ط ) التي فقدت عائلتها بالكامل، حادثتنا مرتبكة: «لست قادرة على النسيان»، فيما استطرد صوت شيخ محطّم: لا زلنا محرومين، ومتروكين لمصيرنا»، بينما أوعزت أم ثكلى: «الألم ينهشنا، لكن الأمل بيد ربي يا وليدي، وإنشاء الله تهبّ على الجزائر رياح الخير والبركة».
غادرنا «الرايس» على وقع ابتهالات العجوز، وقصدنا منطقة سيدي موسى (35 كلم شرق العاصمة)، هذه المنطقة كانت هي الأخرى فيما مضى عنوانا للتردي واللااستقرار، لكنها اليوم مسحت كثيرا من الدموع وأمارات البؤس والعدم، كان الوضع حيويا إلى حد ما بالناحية، أين اكتسبت المدينة حلة خاصة، ومعها بدا كما لو أنّ أعراسا ستقام هناك، في وقت ارتضت فيه طائفة ليست بالقليلة، البقاء خارجا.
وكانت خاتمة جولتنا ضاحية الأربعاء، التي يعيش بها كثير من التائبين، الجو كان حارا بعض الشيء، التقينا بكوكبة من الشباب والكهول، وبادرنا العم أحمد بالقول: «نتمنى زوال الشوك، وتألق الورود»، في درب مجاور دعبنا نسوة كنّ ذاهبات للتسوّق: «ماذا عن مستقبل بن طلحة، سيدي موسى، الأربعاء؟»، نظرنّ إليّ شزرا، وقالت لي إحداهنّ: «هو مشرق بكل تأكيد، رغم ثقل المعاناة».
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : ك ش
المصدر : www.essalamonline.com