“آلي ما اعرف النصارى راح خسارة”، بهذه العبارة يبدأ عمي محمد حديثه عن مهنة يزاولها منذ 55 عاما، مهنة ليست ككل المهن، إنها حرفة بيع الورد. عمي محمد الذي يطوي سنته السابعة والستين عرف هذه المهنة منذ سن الثانية عشرة عندما كانت الساحة المقابلة للبريد المركزي تحتضن أشهر محل لبيع الحلويات الفرنسية يسمى “لوباريزيان” .
مازال عمي محمد يذكر ذاك الزمان بحسرة كبيرة فيقول”كنا نبيع باقة الورد بثلاث دنانير بعملة هذا الزمان، ولكن الورد كانت له قيمة كبيرة، كان الناس خاصة الأوربيون يشترون الورد مثلما نشتري نحن اليوم الخبز، يومها لم تكن الأكياس البلاستيكية موجودة، كانت هناك قفف من الحلفاء، حيث توضع الباقة بعناية كبيرة فوق المشتريات في القفة. يواصل عمي محمد الحديث عن الزمن الجميل للورد فيقول “لم تكن هناك طاولات ولا محلات لبيع الورد، لكن كانت هناك عربات من الخشب توضع في أشهر ساحات العاصمة مثل البريد المركزي وكلوزال وباب الوادي، حيث كان يتمركز أغلب وأشهر بائعي الورد بالعاصمة، كان هناك حوالي 15 بائعا معروفا، لم يبق منهم اليوم إلا 3 بائعين فقط معروفين ب”الصنعة” التي فقدت الكثير من ميزاتها، أما الباقي فلا علاقة لهم بالورد، فهل يمكن مثلا أن يعوض البلاستيك ورد البليدة أوبوفاريك؟”.
بينما كنا نتحدث مع البائع كان شابان يقفان على مقربة منه، شاب وصديقته جاءا لشراء وردة، لفها عمي محمد بعناية فائقة وهو يواصل حديثه معنا:”كنا نجلب الورد من البليدة وبوفاريك وبوزريعة ونعيد تسويقه لكل أنحاء العاصمة، حيث كان الورد جزءا لا يتجزأ من صباحات البهجة فلا يمكن تصور صباح بدون ورد على طاولات حجرة الأكل أوالصالون.
عندما يتحدث عمي محمد عن مهنة بيع الورد، يتحدث عن مهنة خاصة تربطه بها علاقة مميزة، مازال يقدم وروده للزبائن بنفس العناية والأناقة. مازال يذكر أنواعها وطريقة الحفاظ عليها وكيفية تقديمها، ما زال وفيا لها رغم أنها فقدت الكثير من قيمتها الاجتماعية، ليس لأن الناس أقل اهتماما بالورد لكن الظروف تغيرت فقد تحول الورد من سلعة يومية إلى سلعة مناسباتية، حيث يقبل الناس على بائعي الورد فقط في الأعراس والأفراح مثل مناسبات الخطوبة والزفاف وبعض المناسبات مثل عيد المرأة وعيد الحب وغيرها.. رغم هذا مازال عمي محمد كل صباح يستقبل طرقات العاصمة وساحة البريد المركزي بالورد وهو يعدل من وضع “البريه” على رأسه وسترة “البلوجين” علامة مميزة على هوية ابن القصبة الذي مازال يحن إلى زمن لم يغادره أبدا.
واليوم مات عمي محمد وذبلت زهوره
Hanna - لا شيء - الجزائر - الجزائر
26/02/2023 - 551842
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : زهية م
المصدر : www.al-fadjr.com