
استسلمت لعقلها هذه المرة و أغلقت أبواب ونوافذ قلبها بعدما تأكدت أن الحب هو مجرد وهم سرق السنين من عمرها أرادت أن تعترف للعالم كافة بأنها قطعت كل الأواصر التي كانت تربطها بالأحاسيس الرقيقة، فهي لم تعد طفلة تغريها الكلمات البراقة و المغازلات اللطيفة، تمنت لو أنها تتقلد مناصب الملوك والأمراء و الحكام و الرؤساء، لو أنها تستطيع أن تتحكم في زمام الأمور فتلون حياة البشر بألوانها وتطبخ أفكارها في قدر . . لو تتمكن من الفضفضة عن كل ما يدور في أغوارها ويجول في خواطرها فتحاضر و تحاور و ترافع و تحاكم، وتدافع و تجادل كل رجل . . هو مستبد أناني و استهتاري، لتثبت بأنها ليست ضعيفة .أما وإن كان يعتبر لينها معه ضعفا فكم تلين الأم أمام طفل يبكيها بدموع التوسل و الحاجة و لكم من عظيم متجبر أقام التاريخ و أقعده و مسح القصور و المدن و قهر الجيوش و الحضارات . . ولكنه كان يخلع ثياب العظمة و الأبهة ليبكي و يضيع بين أحضان امرأة و يخضع و يركن لنبرات صوتها، كانت تعلم أن تمردها هو جنون سيؤلب العالم ضدها و سيجعلها منبوذة، مشعوذة، مدعية ، وقد يفكر البعض في صلبها والآخرون في حرقها، وقد يتفنن غيرها في تخيل أساليب تعذيبها، ولكنها في نفس الوقت كانت تؤمن كل الإيمان بتمردها، لقد خلقت لتكون هي كما تريد نفسها أن تكون وليس من حق أي معقد فاشل أن يفرض عليها نماذجه الحمقاء الساذجة في الحياة . . إنهم كذلك يعوضون نقائصهم و عيوبهم و زلاتهم و مذلاتهم و فشلهم وانهزامهم في استعراضات لسانية صوتية و عضلية حيوانية أمام امرأة تحدت غرورهم و مزقت عاداتهم و اخترقت حواجزهم . . إنها من بعيد تنظر إليهم كذئاب يترصدون لحظات ضعفها وانهيارها ولكن هيهات تكون مثل الأرنب التي يتم اصطيادها على امتداد العصور والحقبات، فلقد تعلمت من عثرات الأرانب الذين سبقوها . . ألا تتعثر، وأن حدث
و عثرت فإنها اليوم باتت تحسن تجاوز العثرات و مراوغة العيون المترصدة بها ، لأنها أهدافها و أفكارها ، أكبر و أشسع من محيطات منظورا تهم البالية التي أكلها الصدأ و سكنتها العناكب من زمن و غطتها بشباكها التي لا تجمع حولها إلا الذئاب و الصراصير . . إنهم يرفضون انتصاراتهم و يطوقون إنجازاتهم بمفاهيمهم المبتذلة عن زرقة السماء ونور الشمس وضوء القمر . . لا فرق عندهم بين سواد وبياض، بين ضفدع و فراشة . . بين امرأة وحذاء، كلا، أبدا لن تتركهم يسجلون آثارهم أكثر من هذا في تاريخهم فمذكراتهم لم تعد تتسع لقدراتهم . . مسالمة هي بريئة . . شاعرية وحساسة تحب الورد وتعشق البحر و لكن الأشواك والسموم تحرضها على المقاومة إذا أراد أحدا أن يمس جغرافيتها وحدودها و أبنائها . . أفكار لطالما جالت في مخيال البيضاء بل كانت تستطيع فقط البوح بها لنفسها ولأوراقها التي حملت هي الأخرى معانات السنين التي عاشتها في صمت . .لكن أمام كل الزوابع الرمالية التاريخية لازالت امرأة حسناء تدعي البيضاء
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : برياح زهرة
المصدر : www.eldjoumhouria.dz