من المعلوم أن الحوادث الدامية التي دارت رحاها في إفريقيا الجنوبية كان لها أثر عميق على الرأي العام العالمي وجلبت من جديد أنظار المراقبين الدوليين إلى هذا الحصن الأخير من الوجود الأوروبي بالقارة الإفريقية، وهذا ما كتبته صحيفة "لوموند" الفرنسية حول هذه المشكلة وكان يجدر بها أن توجه نفس الكلام إلى ديغول وأنصار السيطرة الأوروبية بالجزائر.
إن أعمال الشغب التي حصلت في إفريقيا الجنوبية والتي ذهب ضحيتها 80 إفريقيا - إن هذه الأعمال لم تفاجئ الملاحظين الذين يتساءلون حتى متى ستستمر في إفريقيا سياسة صارمة مبنية على التمييز العنصري بحيث تضمن لثلاثة ملايين من البيض سيطرة كاملة على 12 مليونا من الملونين.
إن إفريقيا الجنوبية لتظهر في مظهر مدهش حقا إذا اعتبرنا ما يجري في عام 1960 ذلك أنه بينما تهب ريح الحرية والاستقلال على كل نقطة في القارة الإفريقية وبينما تتساقط المستعمرات الأوروبية الواحدة تلو الأخرى، وقد امتدت موجة التحرر إلى حدود جنوب إفريقيا بعد أن تقرر استقلال الكونغو البلجيكي، بينما يجري كل هذا نرى المستوطنين الأوروبيين يتشبثون بكل ما أوتوا من قوة بسياسة التمييز العنصري هذه السياسة التي يزعم أصحابها أنها ستضمن استقلالا داخليا للأهالي السود مع أنها لا تهدف في الواقع إلا إلى إبقاء السيطرة الأوروبية على حالها أبد الآبدين.
وأمام هذه السياسة المتعنتة كيف يمكن أن يبقى السود بعيدين عن التأثر بالتطور السريع الذي يشمل القارة الإفريقية بأسرها، إن هذا لا يعقل ولهذا نراهم اليوم يبدون مقاومتهم السلمية لسياسة التمييز العنصري بعدم الامتثال للأوامر التي تقضي عليهم الحصول على جواز مرور من الشرطة قبل أن يتنقلوا من مكان إلى آخر. إنهم يعتبرون هذا الإجراء ظاهرة من ظواهر العبودية التي يتخبطون فيها، وقد قدر الملاحظون بمائة ألف عدد السود الذين تظاهروا يوم الإثنين الفارط في مختلف أنحاء إفريقيا الجنوبية بطلب من حزب المؤتمر الإفريقي الذي تصفه السلطات الرسمية بأنه منظمة متطرفة، والواقع أن الأفارقة ساروا في هذه المظاهرات بمحض إرادتهم وبدون أن يسلط عليهم أي ضغط من طرف الحزب المذكور.
أما حكومة جنوب إفريقيا فإنها قررت في النهاية أن تشكل لجنتين للتحقيق في أسباب الحوادث الدامية، والواقع أن المسؤولين الأوروبيين بالرغم من قلقهم أمام الوضعية الراهنة عازمون كل العزم على تحطيم الحركة الإفريقية الزاحفة، ولهذا فإننا لا نتصور كيف لا يمكن للأفارقة أن يلجأوا إلى استعمال العنف إذا سدت في وجوههم الأسلحة السلمية الوحيدة التي ما تزال في متناولهم وهي المظاهرات السلمية والإضراب.
إنه من حسن الحظ أن لا يفكر الزعماء الأفارقة في الثورة المسلحة لأنهم يتصورون طبيعتها القاسية الوحشية، بل إنهم في الوقت الحاضر يصرحون بأن هدفهم هو إحلال التعاون الصادق مع الأوروبيين محل التمييز العنصري ولذلك فإن مقاومتهم تتخذ شكل المقاومة السلبية التي حققت انتصار السيد غاندي.
ولكن إفريقيا الجنوبية ليست الهند والمستوطنون الأوروبيون غير البريطانيين، إذ أن هؤلاء يشعرون بمسؤولياتهم العالمية ولا يقدمون على شيء من شأنه أن يثير عليهم العالم الآسيوي، وأما المستوطنون الأوروبيون فإنهم غير مستعدين للتنازل للحركة الإفريقية لأنه ليس لهم وطن آخر يعودون إليه ولأنهم يؤمنون بتفوقهم الجنسي وبأنه من واجبهم الدفاع عن المدينة (البيضاء) في أرض يحتلونها منذ 3 قرون.
هذه هي المأساة التي يعيشها جنوب إفريقيا - مأساة أقلية أوروبية ممتازة لا تسمح للجماهير الإفريقية بالترقي في الميادين الاجتماعية والفكرية بينما يتزايد شعورها بوضعيتها التي تتنافى والكرامة البشرية.
إن الفزع كثيرا ما يدفع صاحبه إلى التدابير السيئة ولكن الواقع هو الذي يربي الإنسان، ولهذا فإننا نعتقد أن قادة إفريقيا الجنوبية سيضطرون في النهاية إلى العدول عن سياسة التمييز العنصري والتفاهم مع الزعماء الأفارقة المعتقلين خاصة وأن الرأي العام العالمي تأثر عميق التأثر بالقمع الذي سلط أخيرا على السود ولأن أصواتا من داخل جنوب إفريقيا نفسها ارتفعت لمطالبة الحكومة بالتخلي عن سياستها القمعية.
بقي أن نعرف ما إذا سيهتدي سادة إفريقيا الجنوبية إلى استخراج العبرة من الحوادث الأخيرة قبل أن يفوت الوقت، هذا الوقت الذي أصبح ضيقا.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : الفجر
المصدر : www.al-fadjr.com