تعيش مداشر منطقة القبائل، على غرار ثازمورث بولاية البويرة، هذه الأيام على وقع تحضيرات مكثفة استعدادًا للاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة يناير 2976، في أجواء مميزة تعكس عمق هذا الحدث التاريخي ومكانته الرمزية لدى سكان المنطقة، لما يحمله من دلالات ثقافية واجتماعية متجذرة في الذاكرة الجماعية.
وفي هذا السياق، سطّرت جمعية ثافاث نتذوكلي بثازمورث برنامجًا ثريًا ومتعدد الأنشطة يمتد على مدار أربعة أيام، من 9 إلى 12 جانفي. وتنطلق الفعاليات في اليوم الأول بعرض العجول المخصصة لطقس ثيمشراط، الذي يُنظم في اليوم الثاني، حيث يتم نحرها ثم توزيع لحومها بالتساوي بين السكان، مع تخصيص حصص للتصدق بها على العائلات المعوزة. وقد تم اقتناء ستة عجول لهذه المناسبة. وحسب رئيس الجمعية، يُعد يناير من أهم المناسبات لدى سكان عرش أث يعلى، لما يحمله من قيم التضامن وتقوية أواصر المحبة ولمّ شمل العائلات التي تجتمع في مثل هذه المحطات السنوية.
أما اليوم الثالث، فيُخصص للجانب الثقافي والفكري، من خلال تنظيم محاضرات يؤطرها أساتذة ودكاترة جامعيون، إلى جانب برمجة مسابقة لأحسن نص باللغة الأمازيغية يصف منطقة أث ندور. ومع حلول عشية يناير، يجتمع سكان المنطقة حول عشاء يناير في أجواء عائلية تسودها الألفة والتقارب.
ويُعتبر يناير إرثًا تاريخيًا راسخًا في ذاكرة عرش أث يعلى وباقي المناطق الأمازيغية، حيث يُعد يومًا للقاء الأهالي والقرويين حول موائد جماعية، يتصدرها طبق الكسكسي المحضر بلحم الدجاج البلدي، كعادة متوارثة عبر الأجيال. وتردد النساء الكبيرات في السن أهازيج وأقوالًا شعبية من التراث، تعبيرًا عن الأمل والتفاؤل بالسنة الجديدة، مع استحضار روايات تاريخية شعبية تمجّد انتصار الملك الأمازيغي شيشناق على فراعنة مصر حوالي 950 سنة قبل الميلاد، وهو الحدث الذي يُنسب إليه اعتماد التقويم الأمازيغي.
ومن جهة أخرى، تحرص العائلات على تحضير أطباق تقليدية خاصة بهذه المناسبة، أبرزها الكسكسي بالخضر، وأحيانًا بسبعة أنواع أو أكثر، إلى جانب اللبن، والغرايف، والبيض المسلوق، والبركوكس. ويشكّل يناير فرصة ثمينة لتجديد صلة الرحم ولمّ شمل الأسر حول مائدة واحدة، حيث تلتف العائلة خلال السهرة حول الجدة، التي تستعيد حكايات وأساطير الأجداد بأسلوب مشوق، تحمل في طياتها معاني التشبث بالأرض، والدعوة إلى فعل الخير، ومساعدة المحتاج، وترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية النبيلة.
في ثازمورث، كما في سائر قرى منطقة القبائل، يبقى يناير أكثر من مجرد احتفال سنوي؛ إنه مناسبة لإحياء الذاكرة، وصون الهوية الأمازيغية، وتجديد العهد مع قيم التضامن والعيش المشترك.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : patrimoinealgerie