أم-البواقي - Revue de Presse

يعرف كل أنواع النباتات الغابية كوخ عمي فرحات.. قبلة سكان أم البواقي للتداوي بالأعشاب



يعرف كل أنواع النباتات الغابية              كوخ عمي فرحات.. قبلة سكان أم البواقي للتداوي بالأعشاب
أيام عمي فرحات فريحة، 70 سنة، ملآى باجتثاث جذور شجر الصنوبر والصفصاف والسرو، ومزجها بلحاء مجفف ذي رائحة نفاذة من شجر جبلي محلي من الفصيلة الغارية يُعرف بـ “السافرو” مع عشبة الصبّار، وباستقبال الناس الذين يأتون إليه من كل حدب وصوب يطلبون التداوي بالأعشاب عمي فرحات ممون قديم بالدواء الشعبي، وربما يكون من الصعب الوصول إلى كوخه المؤلف من غرفة واحدة في أعالي جبل سيدي أرغيس بأم البواقي، ولكن ليس من الصعب مشاهدة الكوخ من بعيد.  كوخ عمي فرحات، وجسمه النحيل وبساطته في الحديث وطيبة قلبه وإيمانه بالتقاليد، يعود إلى البيئة الجبلية القاسية التي نشأ وترعرع فيها، فهو أمازيغي أصيل ويتحدث الشاوية بطلاقة ويرفض الحديث بغيرها حفاظًا على أصالته وتشبثًا بالأعراف. حتى ونحن في الألفية الثالثة، فإن التداوي بالأعشاب مفضل من طرف سكان المناطق النائية والقرى والأرياف الذين يفتقرون إلى أطباء في مناطقهم.    وفي هذا الصدد يقول الخبير في عالم التداوي بالأعشاب، عبد الناصر هرڤمة، “إن التداوي بالأعشاب طريقة للعيش بصورة أقرب مع الطبيعة التي تروق لكثيرين من الناس، إن ذلك يعتبر جزءًا من القيم الثقافية التقليدية، وإن الناس يستخدمونها كبديل عن الأدوية ذات المنشأ الكيميائي الخطير، والأهم أن يظل الإنسان يشعر بصحة جيدة“.ويقول رشيد بن قلة، خبير بالأدوية الشعبية: “إن الذين يتعاطون أعداد الأدوية من الأعشاب لم يكفوا عن ذلك وإنهم يورثونها لأبنائهم”.أما عمي فرحات فيقول إنه عندما شبّ صغيرا علم أن قريته كانت خالية من أي طبيب أو مصحة طبية، سواء أثناء الاستعمار الفرنسي أوبعد الإستقلال، ويتذكر جيدًا كيف أن النساء الحوامل كن يضعن حملهن في المنازل بمساعدة الحاجة خوخة التي كانت أمًا للجميع وتمكنت من توليد أكثر من 2000 امرأة، فغالبية سكان القرية ولدوا على يدها المباركة. كما أن هذه القابلة الشعبية كانت تقوم بختان الأطفال بكل إتقان. ويؤكد عمي فرحات أن الذين يمرضون من سكان القرية كانوا يداوون أنفسهم بطرق تقليدية باستعمال الأعشاب لا غير. والدة عمي فرحات كانت هي الأخرى تمارس التطبيب بالأعشاب، وقد تعلمت أن بعض الأعشاب لها قوة سحرية في الشفاء، وصدق من قال إن لكل داء دواء، لكنه لم يعر الأعشاب اهتمامًا كبيرًا لدى نشأته في مكان ما فوق جبل سيدي أرغيس، وعوضًا عن ذلك عمل حارسًا لإحدى مزارع المعمرين الفرنسيين، ثم في مصنع لإنتاج الآجر بعد الإستقلال.خلال الخمسينيات من القرن الماضي، أصيب عمي فرحات بجرح خطير أثناء تأديته لعمله أقعده عن العمل، وجعله بائعًا لبعض ربطات النعناع والشيح والسلق في الأسواق الأسبوعية لولاية أم البواقي. وعندها بدأ زبائنه يسألونه عن أعشاب تُستخدم كدواء طبي، كانت بداية رحلته الطويلة مع الأعشاب الطبية.وتتألف الأدوية الطبيعية التي يبيعها عمي فرحات عادة من مزيج من 10 إلى 15 عشبة، من بينها النعناع واليانسون والرند وأوراق التوت البري وجذور شجر السرو والصنوبر الحلبي، والتي يجمعها ويجففها ويطحنها، والتي يتم تحضيرها للشرب كما يتم إعداد الشاي أوالقهوة.ويقول عمي فرحات إنه باع، خلال عام 2007، حوالي 30 ألف كيس صغير، كل كيس يحتوي على 50 غرامًا من مزيج الأعشاب البرية، وطريقة إعداد الأدوية مع الأعشاب سهلة، لكن العثور على الجزء المقدم النقي الطازج هو الأمر الصعب.كما يضيف:”إنني أصعد إلى أعالي جبل سيدي أرغيس كل فصل خريف، وأمكث بين أحضانه أياما عديدة تصل في بعض الأحايين إلى 5 أيام، أعود بعدها ومعي حمل كبير من الأعشاب، ثم أذهب مرة ثانية وأمكث ثلاثة أيام وأعود بحمولة كبيرة من جديد، ولكثرة صعودي إلى أعالي الجبل قررت أن أبني كوخًا هناك.. وهو ما حدث، وسهل علي الأمور كثيرًا”.وعن الأوضاع الأمنية هناك في أعالي جبل سيدي أرغيس، يقول عمي فرحات: “أنا حشيشة طالبة معيشة، ولا أهتم بمشاكل الحكومة وخصومها، وقد كنت أصادف في طريقي مخابئ الإرهابيين ولكن لا أحد تعرض لي”.ومن الغريب أن عمي فرحات لا يستعمل الأدوية التي يعدها، والتي هي ذات طعم مرّ، إذ يقول: “تناولت بعض الأدوية التي أعددتها ذات يوم، ذقتها فقط لكي أتأكد بأنني أعددتها بشكل جيد، وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي ذقتها فيها، إنني - والحمد لله - لا أحتاج إلى أي شيء، وعندما تكون صحة الإنسان جيدة من الحماقة أن يتناول أي نوع من الدواء”.عمّـــار قــردود
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)