قسنطينة - A la une

"دار بابا عبيد".. مقصد للسياح وعشاق الموسيقى في قسنطينة



تمثل دار ”بابا عبيد” واحدة من أهم الرموز التراثية العمرانية في قسنطينة، بدءا من الباب العتيقة، وانتهاء إلى الغرف التي لاتزال تحتفظ بشكلها القديم، رغم بعض التعديلات الضرورية التي أدخلت عليها، كالمصابيح الكهربائية وتجهيزات المطبخ..في درب ”سيدي جليس”، الذي مازال يحتفظ بالعديد من المظاهر العمرانية العتيقة، أول ما يستوقف الزوار أمام منزل بابا عبيد هو تلك العين القديمة، ذات الحوض الحجري التي تعود إلى العهد التركي، لينتبه مباشرة إلى وجود البيت، من من خلال رتاج الباب، الذي يعود إلى زمن قديم، والباب نفسه يحمل كل حكايات الأزمان المتعاقبة عليه، ويغري السياح بفتح والولوج إلى الداخل.مقصد السياح..غالبا ما يزوره السياح غالبا ويطلبون من صاحبه أن يسمح لهم بجولة قصيرة داخله، حيث يتعرفون إلى بعض التفاصيل التي يزيد عمرها عن ثلاثة قرون، خاصة تلك البئر التقليدية، ذات القصة العجيبة..يقول صاحب البيت، الفنان باجين الرقيق، إن مثل هذه البئر موجودة في كل بيت تقليدي قسنطيني.. وإنها حيرت خبراء غربيين، ومازالت تستقطبهم إلى يومنا هذا للتعرف إلى الطريقة المدهشة التي جمع بها القسنطينيون الماء من صخر المدينة لا يزيد ارتفاع سورها عن 20سم، وعمقها عن 30 م في الاغلب، ولأن المدينة مبنية على صخرة فإن هذه الآبار تجمع مياه السواقي الجوفية الشتوية، وتخبئها حتى الصيف.طراز البيت تركي مع لمسة جزائرية لم يتغير منه تقريبا غير البلاط، لضرورات معيشية، مازال صاحبه يدهن حيطانه بالجير، على الطريقة القديمة، حيث يسمح الجير بامتصاص الرطوبة والقضاء على العثة داخل هذا النوع من البيوت، الذي لا يتعرض للشمس طوال النهار.بالنسبة الى الأبواب، فقد حرص صاحبه، الشيخ باجين الرقيق (وهو فنان ومدرس موسيقى المالوف) على أن يحتفظ بتلك التي وضعها أجداده، كما حرص على عدم تغييرها، لتتعرف الاجيال القادمة على كل التفاصيل.. الإطار مقوس دائما، والزخارف حاضرة، ولو بشكل طفيف.الدرج مازال على حاله منذ بنائه قبل ”قرون، لم يطرأ عليه أي تغيير.. يؤدي الى الطوابق العليا، حيث الغرف السكنية، التي شهدت إقامة عائلات شهيرة عدة في تاريخ المدينة، منها ”بن واطا” و”عبد الرحمن قرابغلي”، وهو من أعيان قسنطينة، شيخ وفنان، تخرج على يده الكثير من شيوخ الفن في هناك. الطوابق العليا لم يطرأ عليها أي تغيير، سوى النوافذ التقليدية التي جاروتها نوافذ الزجاج المستحدثة لضرورات طارئة.. دون أن تتخلى عن نباتات الزينة الضرورية ايضا في كل بيوت القسنطينيين.ماض فني عريق..للبيت قصة جميلة مع المالوف، ففي ”الباحة” جلست واحدة من اشهر مطربات المالوف القسنطيني، رئيسة ”جوق الكحلة” (جوق الفْقيرات)، التي عرفت بالصلاح ومدح النبي (ص).. في هذه الباحة تدربت على المقاطع والقصائد، وأجرت البروفات قبل حفلاتها العائلية والنسوية.. فهذا البيت كان بيتها.. وفيه تخرج عدد كبير من العازفين والمغنين، وفيه تدرب كبار فناني المالوف الجزائريين واليهود، وفي ذلك يقول صاحبه الفنان باجين الرقيق: ”في هذا البيت غنى ريمون، ناتان، سيلفان، بن طري، موريس داري.. كانوا يحترمون ديننا الإسلامي وكنا نحترم ديانتهم، وكان التسامح الديني والإنساني هو السائد بيننا، ولا شيء بيننا غير الموسيقى.. وفي هذا البيت كانت مطربات يهوديات يزرن والدتي للغناء والتدرب على القصائد الجديدة.. سيمون تمار.. بلارة وحبيقة، وهما يهوديتان كانتا من أشهر مطربات المالوف في ذاكرة القسنطينيين”.فنان دون أي تأمين اجتماعيدون أي تأمين اجتماعي أو دعم من الجهات المحلية الوصية، يقوم الشيخ باجين بعمله في تدريس فن المالوف منذ سنوات طويلة دون انقطاع.. طلبة تتراوح أعمارهم بين 14 الى 22 سنة، يقتطعون وقتا من أوقات دراستهم، ويأتون ليتشبعوا بالموسيقى والموشحات الأندلسية والمغاربية، شارك بطلبته في مهرجانات كثيرة، وتم تكريمهم في عدة محافل موسيقية، دون مرتب أو حق في التقاعد أو أي شيء يضمن له معيشته في شيخوخته، عندما يصبح غير قادر على العمل. أسس فرقة فنية وعمره 12 سنة، متأثرا بذلك بجده الذي كان أحد اشهر مطربي المالوف في قسنطينة القديمة. كانت والدته ترأس فرقة فقيرات جوق ”الكحلة” بعد عمتها وجدتها، التي كانت شديدة السمرة، فسمي هذا الجوق بهذا الاسم.يقول الشيح باجي ل”الفجر”: نشأت في عائلة فنية من ناحية الاب والأم معا، حملت المشعل بعد وفاة جدي، وأسست مع أخي جوقا صغيرا وعمري لا يتجاوز 12 سنة، في هذا البيت ”دار بابا عبيد” تعلمت أصول المالوف وأتقنت العزف على الآلات الموسيقية. مباشرة بعد تأسيسي جوقي الصغير، اشتغلت على آلة الغيتار، واستطعت مع أخي أن نحيي حفلات وأعراسا في المدينة، وكبرت وأنا أنهل من هذا الفن وأستزيد منه، إلى أن استقللت بنفسي”.من بين الذين تخرجوا على يديه، الفنان حمزة بن قايدي، عبد العزيز خوتي وآخرون. ورغم ما يقدمه يجد الشيخ باجين نفسه وحيدا في مواجهة الحفلات الرسمية، التي لا تستدعي إلا الأسماء المشهورة، أو الأسماء المكرسة سلفا، في حين يعاني التهميش هو وأمثاله ممن مازالوا يستميتون في الدفاع عن هذا الموروث، ويضحون بوقتهم وجهدهم من أجل نقله الى الأجيال الجديدة. يقول:”ليس للفنان قانون يحميه، ليست لدينا حقوق تقاعد، كانت جمعية فنون قسنطينة تقدم مجهودا معتبرا، ولكنها تفرقت، وعدد الطلبة يتزايد”.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)