
"تاغيت" أو "تاغيلت" سحر طبيعي لم يمكن وصفه في بضع سطور أو كلمات، مدينة تاغيت لمن لا يعرفها تابعة إقليميا لولاية بشار، حيث اجتمعت فيها آيات الجمال وروعة الخالق. و لا جرم أنه كل من قدم إليها زائرا وسائحا سيجذبه و يأسره سحرها الغناء، بل وترغمه على زيارتها مرات ومرات أخرى .وتذكر كتب التاريخ أن "تاغيت" كانت آهلة بالسكان منذ أكثر من 11 قرنا، حيث أكد في هذا الشأن العلامة ابن خلدون أن "بني كومي" أو "بني قومي" هم أول من عمّر هذه الأرض المضيافة، وهم على الأرجح قبيلة من قبائل "عهد الواديد" الذين حكموا تلمسان قبل أن ينهزموا أمام المرنيين في فاس عام 735 ه، ليقرروا العودة والاستقرار في الصحراء.وما تجدر الإشارة إليه، أنه وخلال الزيارة التي قمنا بها مؤخرا إلى تاغيت وتحديدا في احتفالات نهاية السنة المنصرمة 2013، شدّ انتباهنا "القصور" المبنية بمادة الطين، حيث لاحظنا ونحن ندخل منازل القصور، أنها كانت بالفعل تروي قصص سكان صمدوا وقاوموا الحياة الطبيعية القاسية في قرون خلت، بل وتمكنوا من تأسيس حضارة لاتزال العديد من كتب المؤخرين تروي عنهم الكثير. وصرح لنا السيد عبد الملك الذي استضافنا في بيت ابن عمه بداخل القصور، أن هذه التحفة المعمارية، شيّدت على يد أجداده الأولين، وأنه لولا جهود الترميم وإعادة الاعتبار لهذه القصور لكانت كثبانا رملية تذروها الرياح، مضيفا أن عملية الترميم ليست بالسهلة كما يعتقد البعض، بل أنها تحتاج إلى استعمال مواد بناء أصلية، لاسيما التراب المستخرج من الوادي مع ضرورة مزجه بالنجارة، نافيا في سياق متصل أن منازل القصور بيوت بدائية ومبنية بطريقة فوضوية وعبثية، بل وعلى العكس من ذلك قال إنها شيدت بطريقة فيها الكثير من الذكاء والرفاهية، لاسيما وأن المواد المستخدمة في البناء تضمن الحرارة في فصل الشتاء، وتوفر البرودة في الصيف. قمنا بعدها بزيارة رفقة السيد عبد المالك، بزيارة في مختلف أزقة القصور، لاحظنا منذ الوهلة الأولى، أن الشوارع كانت ضيقة ومتشابكة، حيث كنا تارة نصعد وتارة أخرة نهبط، وأحيانا نتجه يمينا، وأحايين أخرى نتجه يسارا، حسب تقلبات الأرضية، وابتكارات المعماريين الذين شيدوا هذه القصور، كما أننا كنا نمشي بطريقة حذرة، حتى لا نقع و نسقط خارج القصور، بسبب تدهور بعض السلالم الترابية، ورغم ذلك شعرنا بالفعل أن هذا المكان الجذاب، موقع سياحي ومعلم تاريخي، يستحق بالفعل عناية واهتمام كبير من قبل السلطات الوصية، حتى لا يضيع ويزول من ذاكرتنا الوطنية الغنية بمثل هذه المواقع الأثرية الفريدة من نوعها، وكشف لنا السيد عبد المالك الذي وجدناه ملما بجميع أزقة القصور، ويعرف كل أسراره الساحرة والعجيبة، أنه يوجد في هذا المكان حوالي 150 منزل، الكثير منها يحتاج إلى ترميم مستعجل، خصوصا وأن الظروف الطبيعية والمناخية أثرت فيهم بشكل كبير، حيث زرنا بالمناسبة "الميزرة" (مكان مخصص لنحر المواشي)، وبمحاذاتها ساحة أخرى مخصصة لتحضير البارود وإطلاق العنان للأفراح، فضلا عن إعجابنا بطريقة تصميم النوافذ الصغيرة، في أسقف البيوت والمسماة ب "عين الدار"، والتي تستخدم في تهوية البيوت، ومنع انتشار الديدان التي تأكل خشب المنازل.وأوضح لنا السيد عبد المالك، بأنه ونظرا للنقص المسجل في مجال الفندقة إلا أن بعض السكان القاطنين في هذه القصور يقومون في مثل هذه المناسبات السنوية بإيجار غرف مصممة بديكور تقليدي جميل جدا تتراوح بين 1000 و 1500 دج لليلة الواحدة، وفعلا وجدنا الكثير من الشباب وهم يشغلون هذه الغرف، التي خففت نوعا ما من أزمة الإقامة، خصوصا في ظل عمليات الترميم التي لاتزال لحد اليوم يخضع لها الفندق الوحيد بمدينة تاغيت ذي ال 3 نجوم. هذه هي "القصور"، التي فاجأنا إبداعها العمراني الرائع والشامخ ولكننا تأسفنا للإهمال الذي لا يزال يضرب بأطنابه نتيجة عدم اتمام عمليات الترميم، ولاسيما المسجد العتيق الموجود في قلب القصور، والذي قيل لنا أن عملية التجديد و رد الاعتبار لم تكن بطريقة جيدة، بل أنها أنجزت بطريقة غير مدروسة وبشكل سطحي وليس حرفي متقن...فمتى تتدخل السلطات الوصية لتدراك هذا الأمر الذي وقفنا عليه بأم أعيننا؟
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : قايدعمر هواري
المصدر : www.eldjoumhouria.dz