المدية - A la une

الشلالة في مغراوة بالمدية.. قرية منسية تصارع الإهمال بعد خروجها من العشرية السوداء



الشلالة في مغراوة بالمدية.. قرية منسية تصارع الإهمال                                    بعد خروجها من العشرية السوداء
خروج قرية الشلالة، التابعة إداريا لبلدية مغراوة 130 كلم أقصى شرق ولاية المدية، وأكبر مداشرها المتاخمة لمنطقة الزبربر بولاية البويرة، من زمن العشرية السوداء لم يخدمها تنمويا في ظل عودة السكان إلى شغل محيط أراضيهم وبقائهم خارج اهتمامات المسؤولين المحليين.
توجهنا إلى “القرية المنسية”، كما يحلو لسكانها تسميتها، بدعوة من أحد أبناء المنطقة علنا نستطيع إيصال صوت هؤلاء إلى المسؤولين، وطرح انشغالاتهم ومشاكلهم على صفحات “الفجر”. و ما لمسناه عند وصولنا إلى القرية الحالة المزرية التي يعيشها السكان، فحياتهم تشبه إلى حد كبير الحياة البدائية، فالبغال والحمير هي مركبهم والوديان ومياه العناصر مشربهم، والمرأة في هذه القرية مازالت تشمر عن ساعديها وتزاول النشاط الفلاحي بكل جد، وتساعد زوجها بل وتفوقه في العمل في غياب شبه كلي للشبان في هذا المجال، باعتبار أولويتهم هي التسكع في المدن والبحث عن عمل غير شاق، حسب الأصداء التي جمعناها من نساء و رجال القرية.
يقول عمي علي، وهو أحد الغيورين على القرية الذي ظل صامدا في وجه الإرهاب، إن عدد سكان القرية كان يقارب 1500 نسمة في التسعينيات، لكن بعد الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد بدأ سكان الشلالة في هجرة أراضيهم الواحد تلو الآخر باعتبارهم يتواجدون على خط التماس الأول بين الإرهابي والمقاوم، فما كان للسكان ملجأ آخر سوى الهروب والنزوح لأقرب المناطق أمنا بحثا عن السلم والأمان، تاركين وراءهم بيوتا وأرضا وماضيا وعادات ورثوها أبا عن جد، لكن تخلوا عنها هاربين من قسوة الرعب والخوف إلى قسوة العيش الكريم والبحث عن لقمة العيش.
نزح أزيد من ثلثي سكان الشلالة إلى عدة مناطق بمدن ولاية البويرة، وآخرون بمدن ولاية المدية، حيث لا يزيد عدد الصامدين في قريتهم عن 500 نسمة، والذين كان عمي علي واحدا منهم.
مدرسة تصارع الشيخوخة وقاعة علاج مريضة
المدرسة عندما تشاهدها أول مرة تأخذك شفقة عليها، فقد تآكل سقفها وجدرانها، والقرية لا تتوفر على مرافق عمومية ما عدا مدرسة ابتدائية يطلق عليها اسم الشهيد “حسان محمد” مازالت تصارع من أجل البقاء، حيث بلغت من العمر حوالي 50 سنة. وحسب حديث السكان فقد تم بناؤها بداية السبعينيات من القرن الماضي، تتوفر على 5 قاعات للتدريس وقاعة مخصصة كمطعم يدرس بها حوالي 60 تلميذا في وضعية أقل ما يقال عنها غير آمنة بسبب غياب الجدار الخارجي الذي تم تخريبه، كما تتواجد دورة المياه في وضعية كارثية زادت من معاناة التلاميذ، بالإضافة إلى بعد المسافة بين العديد من البيوت والمدرسة، حيث يقطع العديد من التلاميذ مسافة 4 كلم يوميا من أجل مزاولة دراستهم.
ونظرا للبعد المسافة وموقع هذه القرية، وحسب العديد من أولياء التلاميذ، فإن مدير هذه المدرسة هو الذي يتكفل يوميا بتوصيل الخبز بسيارته الخاصة. كما أن المعلمين الذين يدرسون بهذه المدرسة يقطنون خارج القرية وعددهم 4 معلمين دفعهم حب المهنة وطيبة السكان إلى أن يقوموا يوميا بكراء سيارة “كلوندستان” بأموالهم الخاصة من أجل أن يدرسوا أبناء هذه القرية، ولم يطالبوا بالتحويل نظرا لقداسة المهنة، حسب حديث بعضهم.
وفي هذا الصدد ناشد أولياء تلاميذ هذه المدرسة السلطات المحلية والولائية ضرورة إعادة ترميم هذه المدرسة وتسييجها من أجل أن يدرس أبناؤهم في أمن وأمان، على غرار أقرانهم في قرى ومدن أكثر حظا منهم.
وعلى صعيد آخر، تتوفر القرية على قاعة للعلاج بالاسم وفقط إن صح التعبير، فهي مريضة أيضا منذ زمان لم يجدوا لها طبيب يشفيها، فهل يمكن أن نعتبر تواجد مرفق صحي لا يتوفر على طبيب ولا الوسائل الطبية ولا ثلاجة يحفظ فيها الدواء، يسيرها موظف واحد.. وهو التساؤل الذي أراد السكان إيجاد إجابة له من قبل المعنيين في مديرية الصحة والسكان.
الدواب بديل لوسائل النقل
أهم مشكل يعاني منه سكان الشلالة هي حالة الطريق المزرية والمهترئة، فهي آيلة للانجراف في أي لحظة. ونظرا لأهمية البالغة لهذا الطريق باعتباره همزة وصل بينهم وبين العالم الخارجي والمتمثل في بلديتهم مغراوة، فإن إعادة تعبيده أصبح أكثر من ملح، خاصة في فصل الشتاء، أين يزيد تهاطل الأمطار والثلوج الوضعية تعقيدا، حيث تصبح هذه القرية النائية أصلا أكثر عزلة وانعزالا. وفي نفس السياق تغيب عن هذه القرية وسائل النقل والمواصلات بشكل لافت، وهذا راجع لسببين رئيسين، حسب السكان، هما وعورة التضاريس وحالة الطريق المهترئة وقلة عدد السكان، ما يجعل أصحاب وسائل النقل يفضلون خطوطا تدر عليهم أموالا أكثر، وهو ما جعل السكان يستعملون دوابهم في التنقلات في ظل غياب وسائل نقل عصرية.
الغاز والدعم الفلاحي في خبر كان
رغم الموقع الجبلي الذي يتميز بالبرودة الشديدة، إلا أن سكان هذه القرية، على غرار بقية قرى وبلديات الناحية الشرقية لولاية المدية، لاتزال تفتقر للتزود بالغاز الطبيعي الذي يبقى مجرد حلم يراود معظم السكان، فسكان قرية الشلالة مازال الحطب هو الوسيلة الأكثر شيوعا في التدفئة والطهي عندهم، وتبقى عائلات قليلة محظوظة تستعمل غاز البوتان، نظرا لندرته وصعوبة التزود به من مناطق أخرى.
وفي هذا الصدد أكد السكان أن مطلب التزود بالمياه وتعبيد الطريق وكذا وضع مجاري الصرف الصحي، أهم من حلم التزود بغاز المدينة الذي يبقى بعيد المنال حسب محدثينا، مشيرين إلى أن مطالبهم تعد حق من حقوق الحياة الكريمة كثيرا ما نادى به المسؤولون في حملاتهم الانتخابية، والتي غالبا ما لا نسمع لها صدى بمجرد انتهاء الانتخابات.
سؤال آخر لايزال ينتظر إجابته سكان القرية سبب إقصائهم من مشاريع الدعم الريفي والفلاحي، والذي أرجعه البعض إلى عدم تسطير برنامج إعلامي وتوعوي من قبل المسؤولين، وكذا الانتشار الكبير للأمية وسط السكان، رغم أن جل الشروط المطلوبة في الدعم تتوفر في جل السكان قرية الشلالة المنسية، فهم يشتغلون بالفلاحة باعتباره أهم نشاط بالمنطقة وأراضيهم صالحة للزراعة.
كما أن جل بناياتهم هشة وتتطلب الترميم وبناء مساكن أخرى في إطار البناءات الريفية، إلا أن النسيان الذي طالها حرم الكثير من الاستفادة التي تبقى حقا مشروعا لهم.
هذه حكاية قرية الشلالة التي لايزال مواطنوها الصامدون ينتظرون ساعة الفرج متسائلين عن سبب إقصاء قريتهم من مشاريع التنمية رغم أنهم قاوموا، ولا زالو يقاومون بقايا الإرهاب في منطقة الزبربر.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)