الجلفة - A la une

"الجلفة إنفو" تنشر طرق المغاربة المُتنقّلين إلى المشرق العربي عبر ولاية الجلفة



الحمد لله ربّ العالمين، و العاقبة للمتّقين، و لا عُدوان إلّا على الظّالمين المجرمين، و الصّلاة و السّلام الأتمّان الأكملان على سيّدنا و مولانا و قائدنا محمّد، و على آله و صحبه و من اتّبع هُداه.ثمّ أمّا بعد : فإنّ أصحاب الرّحلات من المغاربة (أهل العدوة) إلى الشّرق، عبر الجزائر (المغرب الأوسط)، يُعدّون بالمئات بل بالآلاف أو يزيدون، بين قديمهم و حديثهم، أيّام كان فيها السّفر و الارتحال مشيا على الأقدام، أو على الرّاحلة ( الزّاملة )، "والأنعام خلقها , لكم فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون . ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس،إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون" . النّحل / ( 5 و 6 و 7 و 8 ).و ليس من شكّ أنّ الحجّ في كلّ عام ، كان من أعظم البواعث على هذه الرّحلات إلى أرض الحجاز، بالإضافة إلى طلب العلم، أو استجلاب الأخبار و المعارف أو مُمارسة التّجارة، أو السّياحة، أو غيرها. و من هؤلاء الحجيج بعد زيارتهم للحرمين الشّريفين، يقصدون المقامات المعروفة بالشّرق، كالجامع الأقصى، و يزورون المدائن الشّاميّة القديمة، و قد يتوجّهون إلى عاصمة العراق بغداد، الّتي كانت حاضرة العبّاسيين أيّام ملكهم. و لطالما حين عودتهم يُعرّجون على جامع عمرو بن العاصّ (رضي الله عنه بالفُسطاط، و على الأزهر الزّاهر بالعلم و العلماء بالقاهرة، و على غيرها من الأماكن الطّيّبة، بالدّيار المصريّة، ثمّ يضربون في الأرض باتّجاه برقة، إلى طرابلس الغرب، و من ثمّ إلى تونس و الجزائر، و منها ينتهون إلى قرارهم الأصلي المغرب. و قد شهدت أراضي ولاية الجلفة في زمن مضى، حظّا من عبور هؤلاء المغاربة المُتّجهين إلى الشّرق، بغرض الحجّ، أو بغيرها من الأسباب الّتي أشرت إليها آنفا، على طريقين أو خطّين معروفين في ما نعلم هما : - الطّريق الأوّل يأتي بالجهة الشّماليّة، لمركز الولاية (الجلفة)، من طاقين (طاغين) و يمرّ بمنطقتي ضاية البخور (لمرازيق من أولاد سي احمد) و المقسم (أولاد عمران و أولاد عثمان و أولاد شيبوط)، بزاغز الغربي كمستوقف أوّل لعابري هذا المسلك من المغاربة، ثمّ قريبا من مدينة حاسي بحبح جنوبا أو شمالا أحيانا، ثمّ بمدينة عُقلة أولاد جريبيع، غربي مدينة حاسي العشّ كمستوقف ثان لهم، ثمّ يتوسّط ريّان أولاد بوعبد الله و أولاد عبد القادر، ثمّ يمرّ بجوار امجدّل حيث أولاد فرج، و يتّجه نحو بوسعادة أو الهامل كمستوقف ثالث لهم، و منها إلى الشّعيبة و الغروس و طولقة و بسكرة المدينة و خطّ الجريد و نفطة و تُوزر و قفصة و قابس و بن قردان، إلى طرابلس الغرب، ثمّ برقة ، و منها إلى بوابة الشّرق مصر الكنانة.وقد حدّثني بذلك غير مرّة الشّيخ بن سعدة محمّد العيفاوي، المُلقّب بالكتبي ( 1913 م 2009 م )، و قال لي لقد رأيت المغاربة أكثر من مرّة، حين كنت أرعى الغنم بالمنطقة المُجاورة للرّيّان، بباديتي أولاد عبد القادر و أولاد بوعبدالله، بالجهة الجنوبيّة الغربيّة لبلديّة حاسي العشّ، في بداية الثّلاثينيات من القرن الماضي، و قد طلبت منهم مرّة، و هم مُتّجهون إلى الشّرق، بأن أرافقهم حين عودتهم إلى موطنهم المغرب، بُغية زيارة أماكن العلم عندهم و الدّراسة فيها، كفاس و مكناس و طنجة و تطوان و مرّاكش و سلا، و كنت مُولعا بذكرها و أطرب للحديث عنها، و كلّما تذكّرتها أجهش بالبكاء و قد وكفت دموعه على وجنتيه و على لحيته القصيرة مُتأسّفا ؛ ففي دواخلي رغبة و طموح في طلب العلم الشّرعيّ، و لكنّ الظّروف حالت دون ذلك، فوافقوا، و لكنّ والدي ( رحمه الله ) أبى ؛ بحجّة أنّنا فقراء و حقيقة كنا نعيش في فقر مُدقع و حرمان كبير و قال لي لا علاقة لنا بما طلبت؛ نحن نقتات من هذه العمل المُتعب ( الرّعي )، تحت وطأة الحاجة و ضيق ذات اليد. و كانت أجرة الرّعي في ذلك الحين كانت زهيدة جدّا. و بعض أولاد شيبوط رافقوا هؤلاء المغاربة حين عودتهم من الشّرق، في أوائل السّتينيات من القرن الماضي، و اتّجهوا معهم إلى مساكنهم بالمغرب، و قد أخبرني الشّيخ الرّاوية عقّوني أحمد الشّيبوطي (حفظه الله) بذلك . - و الطّريق الثّاني يأتي بالجهة الجنوبيّة، لمركز الولاية، و يتوسّط المنطقة الواقعة جنوبي الإدريسيّة ( زنينة )، ثمّ يمرّ بمدينة عين الشّهداء (عين الحمارة) كمستوقف أوّل للوافدين المغاربه على هذا الطّريق، و يُجانب مدينة الدّويس، و يتّجه شرقا بين مدينتي عين الإبل و مسعد، و يُجانب مدينة زكّار، و يمرّ على مدينة عين النّاقة كمستوقف ثان لهم، ثمّ على منطقتي أوزينة و قزران، و يُحاذي مدينة عبد المجيد، و يشقّ منطقة واد الورق، و يتّجه صوب سيدي خالد، ثمّ أولاد جلّال و البعّاج و المغيّر و وادي سوف، و هناك من يمرّ على مدينة عين الرّيش كمستوقف ثالث للّذين يختارون هذا الاتّجاه، ثمّ مدينة عين الملح كمستوقف رابع، ثمّ يتّجه نحو واد الشّعير و مدينة الشّعيبة كمستوقف خامس، و يلتقي بالوافدين على الطّريق الأول الّذي أشرنا إليه سابقا.و قد حدّثني الشّيخ الأستاذ الكريم بن الشّيخ محمّد الخناثي (حفظه الله) ، أنّه سمع من أهل منطقته ( بادية أولاد خناثة التّابعة لبادية أولاد سعد بن سالم) غير مرّة أن المغاربة كانوا يمرّون بهذه الجهة الّتي أشرت إليها آنفا، و قد استعانت الزّاوية المحفوظيّة (سي أحمد المغربي)، الواقعة قرب الدّويس، بمن كان منهم من القرّاء و أهل الفقه و العربيّة؛ للإقراء و التّدريس مُقابل أجرة مُتّفق عليها، و قد بقي بها حقيقة مغاربة لهذه المهمّة النّبيلة، و تخرّج بهم من كان لهم فضل في تبديد ظلمة الجهل، الّتي كانت سادرة في هذه المنطقة، بسبب الاحتلال الفرنسي الغاشم و عهده الحالك، و كانت تدجّ نفوسهم وقتئذ بالخواطر و الأفكار النّيّرات، الّتي تُقيم و تسوس مبادئ العروبة و الإسلام، بهذا الوطن العزيز، الّتي نخز مظاهرها سوس الاستعمار و أعوانه، و جعل الجزائر من شمالها إلى جنوبها، و من شرقها إلى غربها تعيش عهودا مُظلمة و مُتخلّفة.و قد كان يأتي من بين هؤلاء الرّحّالة المغاربة، من هم كانوا في عداد العلماء و الفقهاء و القضاة و الأدباء و الشّعراء و الفضلاء و الصّالحين و المُتصوّفة، و منهم من كان يمتهن طبّ الأعشاب، في علاج الحُمّى و الزّكام و السّعال الدّيكي و الجرب و الجدريّ و آثار اللّسع و اللّدغ و الشّقيقة و الكُساح و اليرقان ( الصُّفّير ) و التّيفوس ( الحُمّى الصّفراء ) و الكلب، أو حتّى السّلّ و النّقرس و الفالج، و غيرها من الأمراض الّتي كانت شائعة بين النّاس في ذلك الحين، و منهم من يحترف العطارة و الخياطة و الحياكة و الطّرز و الخرازة و الخراطة، و منهم من يصنع الجبس و الجصّ، و غيرها من الحرف و الصّنائع، ومنهم من كان ماهرا بالقيافة و تتبّع الأثر، و قد أفادوا النّاس حين مرورهم بمكان إقامتهم، و منهم من كان يُمارس و هم قلّة قليلة منهم الشّعوذة و الدّجل (التّعداد و التّبراج و ضرب خطّ الرّمل و الخفيف) و أنواع السّحر (و العياذ بالله) ، كانوا وبالا و صغارا على الّذين صدّقوهم و اتّبعوهم. و كانوا أثناء مرورهم بهذين المسلكين ، يحترزون غاية الاحتراز من قطّاع الطّرق و اللّصوص، بالسّؤال و التّخفّي. و الجدير بالذّكر أنّ من هؤلاء الرّحّالة المغاربة، من استقرّ به المُقام بعدما أعجبهم الحال، و وجدوا بغيتهم و ضالّتهم، و اطمأنّت نفوسهم إلى من كانوا قد التقوهم، ببعض المدن التي كانوا يمرّون بمحاذاتها، كعين الإبل و مسعد مثلا. فبعض المغاربة سكنوا مدينة مسعد الجميلة ذات الحدائق و الجنان، و اندمجوا اندماجا كلّيّا مع أهلها، حتّى صاروا جزء لا يتجزّأ من نسيجها المجتمعي، على غرار بعض العوائل المعروفة بذلك، و الّتي تقول ذلك صراحة، بأنّ أصولها مغربيّة، و قد خرج من أصلابها من كان في مصاف أهل العلم و الفضل و السّلوك، و ليس ذلك خافيا على من له معرفة متينة بقبائل هاته المدينة العريقة، الّتي هي من كبرى مدن ولاية الجلفة اليوم. و صلّى الله و سلّم على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه أجمعين .(*) الكاتب و الباحث "أبو محمد سعيد هرماس" له العديد من الشهادات و الإجازات العلمية، صدر له عدد من المؤلفات من بينها: كتاب تذكير العقلاء، من فضلاء منطقة الجلفة، طبقات المالكية الجزائريين، تكملة الوفيات، المحدّثون و جهودهم خلال القرنين الرّابع عشر و الخامس عشر الهجريين، الموريسكيون في الجزائر...إضافة إلى العديد من المخطوطات قيد الطبع.خريطة توضح مسارات المغاربة عبر ولاية الجلفة مسار المغاربة المتنقلين إلى المشرق (يمكن تكبير الصورة، و تغيير نوع الخريطة)
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)