
يقول إبراهيم ناجي:
ذات مساء صفا المساء
يخيّمُ الليلُ في فؤادي
والسُحبُ لما انتشرنَ بيضاً
يلبسها غيمةً فأخرى
أو يخلُع الغيمَ ثم يبدو
ما يبرحُ الكونُ في صباه
ما يبرح الكونُ غيرَ أني
فمن عَياءٍ إِلى كلالٍ
كم احتمَلنا وكم صبرنَا
وكم نسينَا وكم محَونَا
وما عتبنَا على حبيبٍ
يقول عبده صالح في :
حينما يأتي المساء طويلاً
كالمساء
حينما تغزو الشوارع
تراتيل الشتاء
وتصبح المدينة بلا مدينة
حينها
أتذكر كل القصص القديمة
والذكريات القديمة
وكل الماضي بأحزانه
وجرح قديم يتملكني
أشعر كل آلامة
الأن..
أصوات غريبة
تحاصرني..
تلاحقني..
أتذكرها وأتذكرني
فأغوص في أحلامٍ
بعيدة جداً
فتوقظني رائحة الأرض المبتلة
والأرصفة الحمقاء
حينما يأتي المساء
أرى كل العيون الذابلة
والوجوه الذابلة
وكل المشاعر المصنوعة
أرى كل الطرق مقطوعة
وأراني فكر شارد
وطريق جارح
ومصير بغير ملامح
وأراكِ قريبة جداً
وبعيدة جداً
وجميلة جداً
كنجم ساكن في كبد السماء
حينما يأتي المساء
يقول :
قفي.. كستنائية الخصلات..
معي، في صلاة المسا التائبة
على كتف القرية الراهبة
ويرسم فوق قراميدها
قفي.. وانظري ما أحب ذرانا
وأسخى أناملها الواهبة
وترسو على الأنجم الغاربة
على كرز الأفق قام المساء
وتشرين شهر مواعيدنا
يلوح بالديم الساكبة
تنادي عصافيرها الهاربة
وفضلات قشٍ.. وعطرٌ وجيعٌ
شحوبٌ.. شحوبٌ على مد عيني
وشمسٌ كأمنيةٍ خائبة
بيادر كانت مع الصيف ملأى
تنادي عصافيرها الهاربة
وفضلات قشٍ.. وعطرٌ وجيعٌ
وصوت سنونوةٍ ذاهبة
شحوبٌ.. شحوبٌ على مد عيني
وشمسٌ كأمنيةٍ خائبة
يقول قاسم حداد:
في ذلك المساء
الذي يلهم القاتل ويحزم الأطفال بالحلم الساحر
في ذلك المساء الزاخر باندفاعات أشباح شاردة
تدس بين الطوائف
يحلو للقتلى محو بقايا النصل
و مسح الكآبة عن سجادة الدار
و الأسئلة:
من قال أنّــا قُتلنا
من رأى الدم
ها نحن فخورون بإرثنا
أصحّـاء مثل جليد الجبال
ما من نافذة إلا وتطل على أملٍ كان.
لماذا في ذلك المساء
يجوز لهم التذكر وليس لنا أن ننسى
يقول إبراهيم ناجي:
قلتُ للبحر إذ وقفت مساءَ
وجعلت النسيم زاداً لروحي
لكأنَّ الأضواء مختلفات
مَرَّ بي عطرها فأسكَرَ نفسي
نشوة لم تطل صحا القلب منها
إنما يفهم الشبيه شبيهاً
أنت باقٍ ونحن حرب الليالي
أنت عاتٍ ونحن كالزبد الذا
وعجيبٌ إليك يممتُ وَجهي
أبتغي عندك التأسّي وما تَم
كل يومٍ تساؤلٌ ليت شعري
ما تقول الأمواج ما آلَم الشم
تركتنا وخلفت ليلَ شكٍّ
وكأنَّ القضاء يسخر مني
ويح دَمعي وويح ذلة نفسي
يقول :
في المَساءِ الأخيرِ على هذه الأرضِ نَقْطَعُ أيَّامَنا
عن شُجَيْراتِنا، ونَعُدُّ اُلضُلوعَ الَّتي سَوْفَ نَحْمِلْها مَعَنا
والضَّلوع الَّتي سَوْفَ نَتْرُكُها، ههُنا.. في الْمساءِ الأَخيرْ
لا نُوَدِّع شَيْئاً، ولا نَجِدُ الْوقْتَ كَيْ نَنْتَهي..
كُلُّ شَيْءٍ يَظَلُّ على حالِهِ، فَالمَكانُ يُبَدِّلُ أَحْلامَنا
وَيُبَدِّلُ زُوّارَه. فَجْأًةً لَمْ نَعُدْ قادِرين على السُّخْرِيَة
فالمكان مُعَدُّ لِكَيْ يَسْتَضيفَ الْهَباءَ.. هُنا فِي المساءِ الأخيرْ
نَتَمَلّى الْجبال المُحيطَةَ بِالْغَيْم: فتَحٌ.. وَفَتْحٌ مُضادّ
وَزَمانٌ قَديمٌ يُسَلِّمُ هذا الزّمانَ الْجَديدَ مَفاتيح أًبْوابِنا
فادْخلوا، أيَّها الْفاتِحونَ، مَنازِلَنا واشْرَبوا خَمْرَنا
مِنْ مُوشَّحِنا السَّهْلِ فاللَّيْلُ نَحْنُ إذا انْتصَفَ اللَّيْلُ، لا
يحَمْلُهُ فارسٌ قادمٌ مِنْ نَواحي الأذانِ الأَخيرْ..
شايُنا أَخَضْر ساخِنٌ فاشْرَبوهُ، وَفُسْتُقنُا طازَجٌ فَكُلوه
والأسرَّةُ خضراءُ من خَشَب الأرْزِ، فَاسْتَسْلِمُوا للنُّعَاسْ
بَعْدَ هذا الْحِصارِ الطِّويلِ، ونَامُوا على ريشِ أَحْلامِنَا
الملاءَت جاهزةٌ، والعُطورُ على الْباب جاهزةٌ, والمرايا كَثيرةٌ
فادْخُلوها لنَخْرُجَ مِنْها تَماماً، وَعَمّا قَليلٍ سَنَبْحثُ عَمّا
كانَ تاريخَنا حَوْل تاريخكُمْ في الْبلاد الْبَعيدَة
وَسَنَسْأَلُ أَنْفُسنا في النِّهاية: هَلْ كانتِ الأنْدَلُسْ
هَهُنَا أمْ هُنَاكَ؟ على الأرْضِ.. أم في الْقَصيدَة؟
يقول محمود درويش:
هي في المساء وحيدةٌ،
وأَنا وحيدٌ مثلها...
بيني وبين شموعها في المطعم الشتويِّ
طاولتان فارغتان (لا شيءٌ يعكرُ صَمْتَنَا)
هي لا تراني، إذ أراها
حين تقطفُ وردةً من صدرها
وأنا كذلك لا أراها، إذ تراني
حين أرشف من نبيذي قُبْلَةً...
هي لا تُفَتِّتُ خبزها
وأنا كذلك لا أريقُ
فوق الشَّرْشَف الورقيِّ
(لا شيءٌ يكدِّر صَفْوَنا)
هي وَحْدها، وأَنا أمامَ جَمَالها
وحدي. لماذا لا تُوحِّدُنا الهَشَاشَةُ؟
قلت في نفسي:
لماذا لا أذوقُ نبيذَها؟
هي لا تراني، إذ أراها
حين ترفَعُ ساقَها عن ساقِها...
وأنا كذلك لا أراها، إذ تراني
حين أخلَعُ معطفي...
لا شيء يزعجها معي
لا شيء يزعجني، فنحن الآن
منسجمان في النسيان...
كان عشاؤنا، كل على حِدَةٍ، شهيّاً
كان صَوْتُ الليل أزْرقَ
لم أكن وحدي، ولا هي وحدها
كنا معاً نصغي إلى البلِّوْرِ
[لا شيءٌ يُكَسِّرُ ليلنا]
هي لا تقولُ:
الحبُّ يُولَدُ كائناً حيّا
ويُمْسِي فِكْرَةً.
وأنا كذلك لا أقول:
الحب أَمسى فكرةً
لكنه يبدو كذلك...
مجلوبة من ""
مضاف من طرف : mawdoo3
صاحب المقال : ساره العتيلي
المصدر : www.mawdoo3.com