
يتواصل الإضراب في قطاع التربية رغم النداءات الملحة لأولياء التلاميذ للمطالبة بإنقاذ مصير أبنائهم من تهديدات سنة بيضاء، ورغم فتح الوزارة أبواب الحوار وتعهدها بتلبية المطالب المرفوعة فإن النقابات "ركبت رأسها" وأصرت على مواصلة إضراب لم يعد يلقى إجماعا حتى داخل الأسرة التربوية التي أكد العديد من منتسبيها أن المطالب التي ترفعها النقابات المضربة "غير مقنعة".وتدفع مثل هذه الحقائق إلى سؤال جوهري، وهو ماذا يريد مسؤولو هذه النقابات إذا كان المعلمون والأساتذة في الكثير من المدارس لم يستجيبوا لنداء الإضراب وأكدوا أنهم غير مقتنعين بالمطالب التي رفعتها النقابات التي بالغت في الدعوة للاحتجاج في كل فصل وليس في كل سنة فقط، ضاربة بذلك بمصلحة التلاميذ عرض الحائط. والأكثر من ذلك أنه حتى المعلمين بعد قرابة ثلاثة أسابيع إذا سألتهم عن أسباب الإضراب يقولون "لا علم لنا"، و«غير مقتنعين بالمطالب المرفوعة لأن معظمها تفاصيل وليست ضرورة تستدعي التضحية بالتلميذ".وتجرنا هذه الإجابات إلى القول بأن النقابات باتت تعتمد سياسة المزايدة لتحقيق أهداف تبقى غامضة ليست لها علاقة مباشرة بالمطالب النقابية، لكن بالمقابل ترهن مصير التلاميذ، والدليل على ذلك المطالبة بترقية الأساتذة بصفة تلقائية دون الخضوع لأي تكوين أو مسابقة، وهو ما وصف بالمطلب التعجيزي الذي انتهجته النقابات التي تدرك مسبقا أنه من المستحيل قبول هذا المطلب الذي قال عنه وزير التربية أن المطالبين به يريدون استثناءات في هذا الموضوع وأن الجهات الوصية بما فيها الوظيف العمومي الذي يرى أن هذا غير مقبول في كل القطاعات وليس في قطاع التربية فقط، وهو السياق الذي تساءل فيه الوزير إن كان يعقل أن يترقى الممرض إلى طبيب، والشئ نفسه ينعكس على قطاع التربية.وتجدر الإشارة إلى أنه لم يسبق في تاريخ الإضرابات عالميا شن إضراب مفتوح في قطاع حساس كقطاع التربية له أهمية تتعلق بمستقبل الجزائر، إذا علمنا أن قطاع التربية والتعليم هو العمود الفقري لأي أمة، فالأمم المتقدمة يقاس مدى تقدمها بمستواها التعليمي، فكيف يراد للجزائر أن تتقدم والمنظومة التربوية مريضة ومشلولة ومستواها متدن، وبالرغم من كل هذه المؤشرات السلبية تزيد الإضرابات المتكررة الطين بلة، وهو ما يؤثر سلبا على مستوى التلميذ وتحصيله الدراسي ويزيد من تعميق آثار الداء فعوض أن يكون الأستاذ مربيا وطبيبا لقطاعه بتشخيص الدواء الفعال لإنقاذ المدرسة الجزائرية التي تكون جيل الغد لجعلها تخرج جيلا من النخبة المثقفة يعول عليه لبناء المستقبل وليس جيلا مهددا بالتسرب المدرسي والآفات الاجتماعية التي سرعان ما تسيطر على الشباب من ذوي المستوى المحدود وبالتالي يكونون معرضين لكل العواصف التي تتمكن أمواجها من جرهم بكل سهولة تسلحهم بعتاد يسمح لهم بالسباحة والتفريق بين الحق والباطل، ليكون مصيرنا بعد ذلك مصير الشعوب المتخلفة التي فعلت بها المؤمرات الأجنبية ما فعلت.كما يفتح هذا الإضراب الذي طالت مدته الباب أمام تأويلات سياسية تعطي مصداقية نوعا ما لما يقال حول حقيقة الاحتجاجات التي لها علاقة بالمواعيد الانتخابية، لأنه حتى ولو كان هذا الطرح ضعيفا إلا أنه وجد طريقه ليعطي الاعتقاد للناس بأن النقابات لم تعد تخدم المهنة بل أصبحت تخدم مصالح سياسية مخطط لها، وهو ما يردده العديد من الأساتذة المعارضين لهذا الإضراب.والدليل على ذلك أن الجميع أيد الإضرابات عندما كانت النقابات ترفع مطالب واقعية كرفع الأجور لتحسين المستوى المعيشي للأستاذ بفضل الدور النبيل الذي يؤديه لتربية الأجيال، لكن اليوم عندما انتهجت هذه النقابات سياسة الإضرابات كموضة تلجأ إليها في كل موسم وفصل دراسي فقدت مصداقيتها وجعلت كل من يتحلى بضمير مهني لا يوافق عليها إدراكا منه بأن الأستاذ يؤدي رسالة نبيلة وعليه تربية الأجيال وتوجيه مستقبلهم لذا لا يسمح له بالدخول في متاهات والإصرار على مواصلة الإضراب مضحيا بالتلميذ الذي يبقى الخاسر الأكبر في هذه المعركة.لذا يدعو أولياء التلاميذ والتلاميذ بدورهم الأساتذة للتعقل واستئناف الدروس خاصة وأن الوزارة أبدت استعدادا لتسوية مطالبهم عند فتح الحوار أول أمس لكن النقابات الثلاث المضربة لم تثق في هذه الوعود وطالبت بالملموس وأصرت على مواصلة احتجاجها إلى غاية تجسيد المطالب في الميدان.وفي هذا السياق، صب أولياء التلاميذ جام غضبهم على هذه النقابات التي لم تعد تهتم بمصير التلاميذ، مشيرين إلى أن الأستاذ وجد أصلا لوجود التلميذ ولخدمته لذا وجب عليه الترفع عن كل أمر خارج عن مصلحة التلميذ والابتعاد عن المراوغة والعناد حتى ولو لم تستجب الوزارة لكل مطالبه لأن أخلاقيات المهنة تطالبه بنقل الرسالة النبيلة انطلاقا من المقولة "كاد المعلم أن يكون رسولا" وهي صفة لا تطلق هكذا وفقط على أي كان بل على من يضحي ويتعب لتربية جيل طيب الأعراق لما للمدرسة من دور في تكوين شخصية البراءة التي تكون صفحة بيضاء في مرحلة الطفولة.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : زولا سومر
المصدر : www.el-massa.com