فيما كانت رواية "نورس باشا" مسترسلة في أحداثها، قرّرت كاتبتها هاجر قويدري أن توقفها، هكذا فجأة. لكنّها عادت إليها في الصفحة التي تلت، بنوع من الاستدراك الذي وضعته تحت عنوان "إسعاف روائي"، مقدّمة فيه الاحتمالات المختلفة لكيف يمكن أن تكون الخاتمة. أما قارئ الرواية فيفاجئه ذلك القطع الذي يخطر له أن يرجعه إلى ملل الكاتبة من تأليفها الأحداث والاستمرار في تجريبها على "الضاوية"، بطلة الرواية.
فهذه الأخيرة عبرت حالات تراوحت فيها بين الحب والكره وبين السعادة والتعاسة كما بين الثراء والفقر وهي تزّوجت أكثر من مرّة وغيّرت مكان إقامتها في منازل أحكمت الروائيّة تصوير غرابتها وغرابة محيطها، بما بدا أن ذلك قد يستمرّ إلى ما لا نهاية. ومما يزيد في غرابة تلك الأمكنة وهجانتها كونها متخّيلة لما كانت عليه البيوت في العام 1800، الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية، وهو ،هنا، الزمن الذي يمكن أن تلتقي فيه الأزمنة جميعها. يطال ذلك المدن أيضا وحياتها وإداراتها ومرافئها وطرق السفر والانتقال بينها، وكذلك نمط عيش أثريائها.
لكن، على رغم من أنّ الكاتبة قد وثّقت، لا بدّ، لما كان جاريا في ذلك الزمن، إلّا أنّنا نظلّ نشعر، فيما نحن نقرا، أنّنا في زمان ومكان خرافيّين. وهذا ما يجعلهما عصيّين على التحديد إذ يمكن أن يبقيا في سنة 1800 ويمكن لهما أيضا أن يكونا في أيّ من التواريخ التي نعرفها أو لا نعرفها .
وهذا الزمن المنقسم بين أن يكون راهن تلك السنة، أو السنوات، وبين أن يكون بلا قواعد تقيمه زمنا حقيقيّا، نبدأ بتبيانه منذ صفحات الرواية الأولى. إنّنا، في المشهد العريض الأوّل ذاك، الذي تصحب فيه الأمّ ابنتها إلى ظاهر البلد لكي تخبّىء سبع نقاط من دم حيضها في سبع حفر متجاورة، وذلك لكي ينقطع احتمال إنجابها، ندرك كيف أنّ الروائيّة بدأت من تقليد يمكن له أن يكون عابرا للزمن ، خرافيا وواقعيّا في الآن نفسه. كما أنّها سعت بذلك إلى خطف أنفاس قرّائها ابتداء من الصفحة الأولى، بل ابتداء من السطر الأوّل: “نهضت مفجوعة.. يدي في رباطها تئنّ. هرعت لأفتح الباب حتى لا يفيق الجمع النائم في هذا البيت المشترك". ثم ذلك الحوار البادىء في السطر الثالث: "قالت (الأمّ) في عجل ومن دون تحية: لا تزالين حائضا؟ / -نعم. / -هيّا إذن سريعا قبل طلوع الشمس".
منذ تلك الكلمات الأولى عرفت هاجر قويدري كيف تؤسّس زمن روايتها الخاصّ وكيف تجعل هذه الرواية مشوّقة لقرّائها. غير أنّنا، فيما نحن نتابع القراءة مقلّبين الصفحات، يظلّ يخطر لنا أنّ السرد المتعاقب لا غرض له إلّا تتابع أحداثه. إنّه السرد السرد السرد ثم السرد، لكن لا شيء يوصل إلى ما يتعدّاه، باستثناء الاستسلام للقراءة والمضيّ فيها. لا همّ ظاهرا لدى الكاتبة في الوصول إلى معنى ما دراميا أو تراجيديّا تحملنا إليه سيرة بطلتها، ولا همّ كذلك في ما يتعلّق بزمن 1800 ذاك في بلدها الجزائر. كما لا إحالة من ذلك الماضي إلى الحاضر، على نحو ما يفعل الروائيّون محاولين، مثلا، التدليل إلى التغيّر الحنيني أو إلى الثبات المضجر... إلخ.
على أيّ حال هناك نظريّة مقابلة، ومضادّة، لهذه القائلة بأنّ غاية فنّ الرواية الحديثة هو إثبات المفارق والقدري ومصائر البشر غير المسيطر عليها لها من قبلهم. النظريّة المقابلة تلك ترى أنّ الرواية يمكن لها أن تقوم بقوّة أبنيتها الخيالية وحدها. أليس هذا ما نحبّه في ألف ليلة وليلة مثلا؟
وللإشارة فإن رواية "نورس باشا" للروائيّة هاجر قويدري، صدرت عن دار طوى للنشر والإعلام، وحازت جائزة الطيّب صالح للرواية العربيّة 2012.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : نايلة ياشا
المصدر : www.elhayatalarabiya.com