
**بسبب "الكوير" و"الكرتون" تأثرت صحتها أين نجد نساء تخيط الحذاء ب 6 دنانير ،هو سؤال طرحناه في طريقنا من عاصمة الولاية معسكر إلى بلدية القيطنة التابعة إقليميا لدائرة بوحنيفية ، حيث اتجهت بنا جل أصابع من أجابنا إلى قرية تدعى سيدي محي الدين مسقط رأس الأمير عبد القادر ابن محي الدين والبعيدة عن مدينة معسكر بحوالي 30 كيلومتر ،بأنه هناك توجد أمهات وفتيات تمتهن الحرفة بالرغم من قساوتها و اللائي يقدر عددهن بأكثر من 10 نساء دخلن عالم خياطة الأحذية مرغمات بالرغم من الأجر الزهيد بسبب ظروفهن المعيشية القاهرة والقاسية ،خاصة وأن معظم مزاولات الحرفة هن أرامل ولديهن يتامى يحاولن بكل السبل تحقيق ما تحتاج فلذات أكبادهن من طعام لقهر شبح الجوع الذي يلازمهم ،حتى ولو كان العمل يفرض عليهم خياطة الفرد الواحد من الحذاء ب 6 دنانير ،إذ تعكف السيدات يوميا على خياطة حوالي 20 حذاء في بيوتهن بواسطة الخيط المشمع والتي تقدم إليهن من قبل أحد مصنعي وهران وسيق للأحذية ،حيث يقوم هذان المصنعان بتحويل كمية من الأحذية تفوق 200 حذاء إلى هؤلاء النساء من أجل توزيعها قبل خياطتها ضاربين بذلك عرض الحائط جميع الاتفاقيات الدولية والتشريعات والتنظيمات الداخلية في مجال حقوق الإنسان ،بسبب ما تعاني منه النسوة من متاعب من جهة و أمراض ناتجة عن عملهن خاصة التنفسية والجلدية من جهة أخرى ،ولنقل معاناة هؤلاء النساء اللائي يتخبطن بين سندان الظروف المعيشة الصعبة ومطرقة هضم جميع حقوقهن المادية والمعنوية من قبل من يمولهم بالأحذية لخياطتها ،اتجهنا صبيحة أمس الأول إلى قرية سيدي محي الدين ،وزرنا من خلالها عدد من العائلات للوقوف على حقيقة مأساتهم ،حيث اختلف الأشخاص إلا أن الرواية واحدة هي من أجل إطعام أطفالهن لما أقدمن على هذا العمل الذي أنهك صحتهن حسبهن خاصة في غياب كل الظروف الملائمة لممارسة نشاطهن الحرفي ،ولدى تقربنا من العائلات من أجل أخذ عينة عن النساء العاملات في المجال ذهلنا بواقع مر لكنه حقيقي وواقعي للأسف. **أنا مجبرة لممارسة الحرفة وطفلتي تساعدني أولى المنازل التي طرقنا بابها وجدنا سيدة في مقتبل العمر سنها لا يفوق 40 سنة شاءت الأقدار بها أن يُقتل زوجها خلال العشرية السوداء من قبل الإرهاب سنة 2004 ، ويترك لها طفلين آنذاك البنت عمرها سنتين والطفل يبلغ من العمر 3 سنوات ،ولدى ولوجنا إلى المسكن المهدد بالانهيار والذي يأوي العائلة والمكون من غرفة ومطبخ صالحين لكل شيء عدا لاستعمالهما للسكن بسبب السطح القصديري الذي يغطي الغرفتين والتشققات العميقة للجدار والبلاط الإسمنتي ،بدأت الأرملة تحكي قصتها مع المهنة الشاقة التي تزاولها منذ أكثر من 9 سنوات ،حيث استهلتها بأنها في بداية المشوار مع خياطة الأحذية كانت مجبرة من أجل توفير لقمة العيش لطفليها اليتيمين ،مؤكدة بأنها قد بدأت العمل بمبلغ 4 دنانير قبل أن ترتفع فيما بعد وتتحول الى 6 دنانير ،مشيرة إلى أنه وبعد مرور الأيام والسنوات كبر ابنيها وازدادت المصاريف خاصة المتعلقة بالحاجيات المدرسية وازداد تعلقها بعملها بالرغم من قساوته تقول المرأة التي أكدت بأنها أضحت لا تستطيع التخلي عنه مصرحة بأنها في الأيام التي لا تحوز على نصيبها من الأحذية تذهب بنفسها للسؤال عنه كونه هو مصدر إطعامها الوحيد تضيف الأم التي أدهشتنا في سياق حديثنا معها بأنها أصبحت في الآونة الأخيرة تستنجد بطفلتها البالغة من العمر 14 سنة من أجل مساعدتها في هذا العمل حيث عرضت علينا مجموعة من الأحذية التي أخاطتها الطفلة في الأيام الأخيرة من العطلة قائلة بأن ابنتها قررت العمل معها من أجل أن تتمكن من شراء جهاز كمبيوتر لتستعمله عقب نجاحها في شهادة التعليم المتوسط التي ستجتازها هذه السنة ولو كلفها الأمر حسب تصريحات الأم العمل لمدة سنة كاملة ،ولبلوغ الطفلة حلمها طلبت من يمولهم بالأحذية بتأخير راتبها إلى حين أن تبلغ أجرتها ثمن الكمبيوتر وهذا خوفا منها حسب والدتها في ضياع حلمها. **الربو ينخر جسمها وحلمها أن يشتغل ابنها أما المسكن الثاني الذي استقبلنا فهو لسيدة في الخمسين من العمر لديها ثلاثة أيتام ،تقول بأنها هي الأولى التي بدأت في هذا العمل في المنطقة قبل أن تزاوله باقي السيدات حيث كانت تتلقى كميات من الأحذية لخياطتها من قبل مصنع سيق ،إلا أن هذا العمل حسبها قد أثر على صحتها وأصابها بالربو والحساسية حيث تعاني حاليا من مشاكل صحية ، إلا أن هذا الأمر حسبها لم يمنعها من مواصلة العمل بسبب الحاجة إليه ،كما تطرقت الأم إلى قضية نوعية الجلد الذي يصنع منه الحذاء والمتمثل في نوعين الأول هو " الكوير " والثاني " الكرتون " حيث عبرت السيدة عن معاناتها مع النوع الأول بسبب الرائحة التي يصدرها وتسببت لها في أمراض تنفسية ناهيك عن المشاكل التي تتلقاها على مستوى الأيدي بسبب خشونة الخيط المستعمل في العملية ،من جهة أخرى فقد أشارت السيدة بأن سبب ارتباطها بهذا العمل الشاق هو عدم استيعاب منحة التقاعد التي تتلقاها عن زوجها المتوفي متطلبات أبنائها لاسيما وأن بناتها في سن الزواج وهو ما أثقل كاهل الأرملة وجعلها تبحث عن مصدر رزق آخر حتى ولو كان مصدرا خطرا على صحتها ،لتودعنا المرأة وهي تمني النفس بأن تترك العمل فور عثور ابنها البالغ من العمر 21 سنة على وظيفة تساعد الأهل في التغلب على الصعوبات المادية للحياة . **الزواج يخلص ابنتي من العمل الشاق وفيما يخص السيدة حليمة التي فتحت لنا أبوابها وضيفتنا "بالفطيرة " رفضت أن تتكلم عن الموضوع مشيرة إلى أنه مصدر رزق الكثير من النساء بالمنطقة ولا ينبغي التحدث فيه ،ولدى إلحاحنا عليها صرحت بأن ابنتها البالغة من العمر 16 سنة هي من كانت تعمل في هذا المجال لمساعدة نفسها والعائلة بهذا المبلغ الزهيد لكن بعد خطوبتها تركت العمل وهي حاليا تستعد لحفل زفافها. **الخيط المشمع شوه أيديها وهزالها يحكي معاناتها أما الفتاة خيرة ذات ال 24 سنة والتي لها خبرة مهنية تفوق 8 سنوات في خياطة الأحذية وهي يتيمة الأم ،فقد استغربت عند رؤيتنا نطرق باب مسكنهم العائلي ، لكن بعد ترحيبها بنا و فتحنا معها ملف عملها في الأحذية ومدى صعوبته ابتسمت وراء حزن عميق وألم أعمق يكتشفه كل من يرى فتاة في مقتبل العمر هزيلة الجسد وذات وجه شاحب ، وبين رجليها تخبئ يدين منتفختين ومتشققتين جراء ما تمارسه من حرفة متعبة قائلة إن خياطة الأحذية شيء مرهق للغاية وألم الأيدي الذي ينتج عنها فظيع ولا يحتمل لكن الحاجة تجبر الإنسان على تحمل المعاناة ،مشيرة إلى أن مستواها الدراسي المتمثل في بلوغها السنة الثانية ثانوي لم يشفع لها في الحصول على منصب شغل في إطار تشغيل الشباب بالرغم من الملفات الكثيرة التي أودعتها على مستوى البلدية والقرية ،حيث لم تجد منجدا لتوفير حاجياتها في ظل الفقر الذي تعيشه عائلتها سوى التوجه إلى هذا المجال المتعب.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : بهلولي ش
المصدر : www.eldjoumhouria.dz