دفعت الفاقة والحاجة العديد من العائلات الى ايجاد البدائل لعلها تستطيع صيام هذا الشهر الفضيل الذي يصادف الدخول المدرسي وعيد الفطر المبارك، وباتت العائلات المذكورة رهينة ثلاثة حسابات مما أدخلها في حيرة من أمرها، ولم يجد البعض منها سوى بيع ممتلكاتها باختلاف أنواعها حتى تسمح لأفراد العائلة بالصوم كباقي الناس.
تبعا لمحدودية العمليات التضامنية التي تقدمها الجهات الوصية، كونها ظرفية ولا تكفي حتى أسبوعا واحدا وعجزها عن حل أزمة الكادحين نهائيا، لا يزال السواد الأعظم من الفقراء يتطلعون الى قفة رمضان التي لم تصلهم، نتيجة ما أصبح ينتاب هذا الحراك التضامني من تصرفات في توزيع مثل تلك المساعدات في هذا الشهر الكريم، ونتيجة لذلك فإن الكثير من تلك الأسر الفقيرة لجأت الى بيع ما تملك من حليها الذهبية أو مجوهراتها القليلة. الظاهرة هذه استوقفتنا بإحدى محلات بيع الحلي بوسط مستغانم، أين دخلت سيدة تحمل سلسلة وبعض الخواتم الصغيرة وعرضتها على صاحب المحل الذي باعتها له بثمن أقل ب60 بالمائة من ثمنها الحقيقي، هناك أدركنا الاستغلال الفاحش لهؤلاء الانتهازيين الذي وجدوا الفرصة سانحة للثراء على حساب الغلابى في هذا الشهر بالذات شهر الرحمة والغفران، لكنه بالنسبة لهؤلاء شهر الجشع والربح السريع.
فضولنا تجاه حساسية الموقف جعلنا نقترب من تلك السيدة بعدما غادرت المكان، وعندما سألناها عن ذلك أجهشت بالبكاء قائلة: “وما عساي أن أفعل، فأولادي لم يجدوا هذه الأيام ما يفطرون به وأنا أرملة وأم لسبعة أطفال، ولا مدخول لنا سوى ما يقدمه لنا بعض الجيران وأهل البر و الإحسان”. وأضافت محدثتنا أنّها اضطرت إلى بيع آخر ما تملك من ذهب لسد رمق أبنائها، فارقتنا تلك المغلوبة على أمرها والحسرة تقتلها في زمن ينعم فيه الكثير بالثراء الفاحش فيما لم يجد آخرون حتى رغيف خبز، في وقت يتساءل آخرون عن وضعهم طالما أنّ البحبوحة المالية التي تتمتع بها الجزائر والسياسة التضامنية الموصوفة ب«العرجاء”، لم تستطيعان القضاء على الفاقة التي يعانيها الآلاف.
في الإطار نفسه، أخبرنا الكثير من الأصدقاء أن البعض اضطر الى بيع أثاث البيت بأبخس الأثمان ليتسنى لهم صيام رمضان وآخرون باعوا حتى ملابسهم، فكل شيء قابل للبيع من أجل رمضان خاصة في ظل الارتفاع الفاحش للأسعار التي لم تنخفض بعد في ظل غياب الرقابة الكافية، الأمر الذي أفرغ جيوب الصائمين.
فرمضان بالنسبة لهؤلاء هو تجديد الموعد مع المعاناة والجري وراء لقمة العيش بشتى الوسائل، ورغم كل هذا قالت إحدى النسوة: “نحن متعودات على قضاء شهر الرحمة بهذه الصعوبات واللي خلقه ربي ما يضيعوا”، مقولة مشهورة تجسد حقيقة معاناة الأسر الجزائرية التي ألفت مثل هذه الظروف منذ عقود من الزمن، فقد استأنسوا بالفقر وتعوّدوا عليه ما دامت هناك حياة. وارتضى فريق من “المعدومين” انتهاج طريق التسول قصد الحصول على بعض الدنانير لاقتناء ما يحتاجونه، حيث تراهم في كل مكان وينتهجون كل الطرق لاستمالة أهل الخير لاسيما في رمضان، أين تضاعف عدد المتسولين وأصبحنا نراهم في كل مكان رفقة أطفالهم في ظروف جد قاسية يفترشون الأرض، وحتى مطاعم الرحمة التي تفتح أبوابها في مثل هذه الأيام لم تعد تتسع لهؤلاء كون قاصديها من قبل عامة الناس صعّب من حصول تلك الفئة على كل ما تحتاجه، وحتى ظاهرة التسول لم تسلم هي الأخرى من بعض الانتهازيين الذين جعلوا منها مهنة للكسب السريع، بل أصبحوا يزاحمون المحتاجين للحصول على الصدقة. فئة أخرى من الناس أرادت صيام شهر رمضان بطريقتها الخاصة من خلال السرقة وتكوين عصابات أشرار للسطو على ممتلكات الغير، ضاربين عرض الحائط حرمة هذا الشهر الفضيل، وأصبحت هذه الشريحة تفرض منطقها على المواطنين البسطاء ويجردونهم من كل ممتلكاتهم، لاسيما في الساحات العمومية كالأسواق ومحطات الحفلات وباقي الأماكن التي يتوافد عليها الصائمون خاصة قبل الإفطار .
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : السلام اليوم
المصدر : www.essalamonline.com