مستغانم - A la une

"الليلة الأخيرة" لعلولة.. وقصة بن سعدية مع مهرجان مستغانم



يعتبر مهرجان مسرح الهواة بمستغانم أقدم مهرجان مسرح في الجزائر، حيث ارتبط وجوده بالنضال السياسي في الجزائر وانبثق من رحم الكشافة الإسلامية الوطنية، ورافق كل النضالات التي عرفتها الجزائر وواكب كل التحركات والحراكات التي شهدها هذا البلد الثقافية منها والسياسية.يقول الأستاذ عقاب، أحد المؤسسين لهذا المهرجان، أنه ولد في فترة جد خاصة من تاريخ الجزائر وعرف عدة مراحل واكب من خلالها أهم الأحداث السياسية، خاصة حركة 19 جوان في 1965، حيث رفع الدستور وتغيرت القوانين التي كانت تحكم البلد، بما في ذلك قانون الجمعيات المختلفة، والذي كان مايزال يؤطر وفق القانون الفرنسي الذي يعود إلى 1901، وكان قبلها تحت إشراف الكشافة الإسلامية، حيث أقدم الجيلالي بن عبد الحليم وعدد من محبي المسرح، على تأسيس المهرجان الذي يقول عقاب أنه في بداياته الأولى كان يهتم فقط بالفن من أجل الفن، قبل أن يغير انقلاب 1965 وجهة المهرجان، حيث تغيرت منذ 1970 طبيعة النقاشات المطروحة في المهرجان، خاصة بعد الثورات التي أعلن عنها بومدين.. الزراعية، الثقافية والصناعية، حيث بدأ الاتجاه السياسي يفرض نفسه داخل المهرجان مثلما فرض نفسه على كل بنية المجتمع، حيث بدأ المسرح خلال هذه الفترة في طرح القضايا السياسية على الخشبة، وتحولت المسرحيات الى مناشير وخطب تلقى على المنصات. وحسب الأستاذ عقاب فإن الحزب الشيوعي الجزائري سيطر خلال هذه الفترة على الخطاب المسرحي. ويروي عقاب أنه رفقة الجيلالي بن عبد الحليم، قصد بن سعدية عندما كان على رأس حزب جبهة التحرير، قصد البحث عن الدعم المالي للمهرجان فقال لهم بن سعدية:”هل أعطيكم الدعم ومن بعد تجيبوا ناس فوق السدة يسبونا؟!”، لكن رغم ذلك المهرجان انتظم سنتها وعرض مسرحيات تنتقد النظام. وبداية من عام 1975 عرف المهرجان منعرجا آخر بعد الندوة الوطنية لوحدة للشباب التي وحدت كل الحركات الشبانية تحت لواء منظمة الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية. وقد فرض التيار الشيوعي سيطرته المطلقة على المهرجان بحكم هيمنته على الاتحاد الوطني للشبيبة خلال الفترة 1975/ 1979.وحسب شهادة عقاب، فقد كان المهرجان ملتقى للنقاش الحاد الذي كان يصل في كثير من الأحيان إلى جدال وصراع كبير بين مختلف التيارات والفرق، ويعطي مثالا لما حدث لفرقة ”ليالي سيرتا” التي عرضت مسرحية كتبها المفكر مالك بن نبي، وقد اعتُبرت يومها مسرحية متطرفة ورفض التيار التقدمي إبقاء الفرقة في مستغانم، واضطر المنظمون لإخراج عناصرها تحت حراسة الشرطة ونقلهم ليلا إلى قسنطينة. بداية من 1980 بدأت تطرح أفكار أخرى، حيث خفت حدة السياسي لصالح المواضيع الاجتماعية، حيث طغت مواضيع مثل حرية التعبير والشباب ومستوى المعيشة. كان هذا قبل أن يقوم التيار الإسلامي خلال 1990 بمحاولة فرض هيمنته على المهرجان، قبل أن يعود بداية من سنوات 2000 إلى منطقه الأول في طرح الأفكار الفنية ومناقشة الأشكال المسرحية والمضمون وطرق التمثيل والإخراج، وغيرها من النقاشات التي يعرفها تيار ”الفن من أجل الفن”.لا يرى بن محمد، أحد قدماء المهرجان ورفيق علولة وكاكي، أي حرج من تبني المهرجان للأفكار السياسية، طالما أنه مرآة لما يحدث داخل المجتمع، ويذكر أن الامانة العامة للحزب الحاكم في 1972 شهدت صراعا حول المهرجان الذي كان يستقبل فرقا تنتقد النظام وحتى الحزب بشدة، ورغم ذلك جاءت فرق من قسنطينة ووهران وفعلا قدمت أعمالا انتقدت النظام بشدة. ويؤكد بن محمد أن المسرح الهاوي كان مدرسة للأفكار الحرة وميلاد أشكال فنية وتعبيرية جديدة، وكان دائما الخزان الذي مول الخشبة الجزائرية بأسماء قدمت الكثير للمسرح. ورغم ذلك يؤكد كل من عقاب وبن محمد أن الحرية التي كان ينتقد بها المسرح آنذاك النظام لا نجدها اليوم، ولكن هذا لم يعرف يوما سجن أوتوقيف أي مسرحي بسبب عمله أوعقله الفني. النظام كان ذكيا بما يكفي حتى لا يفتح على نفسه مثل هذه الجبهات”. وكان المهرجان، حسب شهود تلك المرحلة، لا يعرف حتى مداخيله وينتظم كل سنة وهو مدين لبعض الهيئات التي تقدم له مساعدات بسيطة، لكنه استمر بفضل إيمان مؤسسيه برسالتهم الفنية والحضارية.يعرج بن محمد على رسالة مسرح الهواة بحديثه عن المرحوم علولة الذي تعود أصوله الى مدينة المسرح مستغانم، فيقول: لو سمع علولة النقاش العقيم الذي يدار اليوم بين الأكاديميين حول المسرح لما قام و لما قدم روائعه في مسرح الحلقة والمداحين. يروي بن محمد بعض ذكرياته عن علولة، فيقول ”أصل الڤوال هو المسافة بين وهران والعاصمة، وما تلك الجملة التي كان يرددها بين كل فصل وآخر ”قريب وهران قريب”، إلا دليل على حبه لهذه المدينة”.كان علولة، حسب بن محمد، قريبا جدا من المداحين ويسعى دائما للبحث عن الجديد في هذا التراث وكيف يمكن للمسرح أن يستفيد منه. ويكشف بن محمد أن علولة كان يحمل مشروعا يعيد مشروعه المسرحي إلى أصل الخشبة إلى الإغريق، وكان يوم اغتيل على موعد مع محاضرة في هذا الشأن كان سيلقيها في دار الثقافة لوهران، لكن يد الإرهاب كانت أسبق إليه. علولة كان يحب الأطفال ويعشق الطفولة، كان ناشطا في جمعية الأطفال المصابين بالسرطان، كان يحب البراءة كما يحب سيدي الهواري”.بن محمد لا يرى أن تكرار مشروع علولة مستحيل، لأن ”الإمكانيات اليوم موجودة والمواهب أيضا موجودة والحرية موجودة، ينقصنا فقط قليل من الانضباط والإيمان بأنفسنا والاحترام لرسالة المسرح”.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)