أصيل حي ڤومبيطا الذي أصبح يحمل اسم الشهيد البطل العربي بن مهيدي منذ أكثر من ثلاثين سنة، بعد منتصف الليل، أجلس أكثر من ساعتين إلى أمي وأستعيد معها أخبار الجيران والجارات والأقارب..حزنت شديدا عندما أنبأتني بوفاة أحد الجيران القدامى والأصدقاء الذين قضينا سنوات مع بعض في
شارعنا القديم حيث المنزل الذي رأيت فيه النور وأطلقت أول صرخة لي في الحياة، أمباس كرايدر، رقم اثنين وعشرين، كان هذا الصديق يسمى بوديسا عباس، مولود عام 1957، كان لاعب كرة قدم لامع، وكان يطمح أن يكون ضمن فريق سيدي بلعباس، لكن الأقدار دفعت به إلى طريق آخر ومغاير عندما كان يتردد على خاله قويدر في صيدليته، فدفع إلى أن يصبح صيدليا مشهورا في المدينة.. وعندما بدأت سيدي بلعباس والجزائر معها تبّدل وتغير جلدتها، غادر عباس بوديسا مسقط رأسه ڤومبيطا إلى حي جديد بسيدي بلعباس.. وكان يتميز عنا نحن الأتراب أنه تزوج وعمره لا يتجاوز سن الواحدة والعشرين.. وهكذا تحول بسرعة إلى أب وإلى مشروع جد، لم نعد نلتق وعباس إلا في المناسبات، مثل بعض المناسبات النادرة في الأعراس أو الجنازات.. كيف غادر الحياة وهو في الخمسينات من عمره؟! تقول لي والدتي: إن عباس أصيب بألم في الظهر ونصح بإجراء عملية جراحية بسيطة، ومن سوء حظ عباس أنه قرر أن يجري العملية في كلينيك خاص، إلا أن العملية كانت لها آثارها السيئة ما عجل بموته الذي شكل صدمة كبيرة في الحي، خاصة وأن وفاته المفاجئة جاءت بعشرين يوما بعد وفاة ابن أخيه حفيظ الذي يصغره بثلاث سنوات، وكان ابن حفيظ الذي لا يتجاوز العشرين سنة مات مريضا بالسرطان... كان الفجر يلقي بحضوره عندما تركتني والدتي عاريا أمام نفسي وذاكرة المكان.. حاولت الاستسلام لنوم خفيف، لكن الوسن فارقني، فلم أقض سوى ساعتين فيما بعد في غفوة وجيزة لكن عميقة..
نزلت في اليوم الموالي صباحا إلى المدينة، اتصلت بمدير المسرح حسن عسوس والممثل الموهوب عبد القادر جريو، جلست لوقت أستمع إليهما حول مشاريعهما الجديدة في مسرح سيدي بلعباس، ثم سرعان ما توجهت إلى مقر دار الصحافة المحاذية للحديقة العمومية التي أنشئت في نهاية القرن التاسع بشكل مقتبس عن حديقة الحامة، وتعتبر الحديقة العمومية الثانية التي أُنشئت في الفترة الكولونيالية والتي تعرف عند أهل المدينة بالڤاردن... ووجدت الزميل والصديق محمد مير في انتظاري.. باشر محمد مير الاشتغال في الصحافة كمراسل منذ نهاية الستينيات، عندما كان يقوم بروبورتاجات للجريدة الجهوية آنذاك "الجمهورية" التي كانت تصدر باللغة الفرنسية قبل أن تُعرّب في المنتصف الثاني من السبعينيات، وإلى جانب نشاط محمد مير كمراسل صحفي، اشتغل كإطار في الفلاحة.. عندما يروي لي محمد مير مساره، اكتشف ثراء في التجربة الإنسانية وتعددا في الموهبة والاهتمامات.. لقد تحول محمد مير الذي اختار العمل الصحفي بعيدا عن الأضواء وصخب المدن الكبرى إلى جزء من ذاكرة المكان، وذاكرة المدينة بتشعباتها وصورها التي اختفت من على المشهد والوجوه التي صنعتها في أكثر من مجال... تعاون محمد مير مع جرائد مثل أوريزون في الثمانينيات ولوماتان في التسعينيات ثم انخرط كمحقق ومسؤول المكتب المحلي لجريدة لافوا دو لوراني.. كتب محمد في الشؤون الإجتماعية والفلاحية والبيئوية والثقافية خاصة المسرح والغناء.. ونشط محمد مير في الستينيات في المسرح، إلى جانب أحد الوجوه الكبيرة للراي التقليدي في سيدي بلعباس الشيخ المقلش صاحب الأغنية الشهيرة "خلوني نبكي على رايي"، عاش محمد مير طفولته في حي ڤومبيطا، بشارع البنيان الضيق حيث مركز الڤناوة والفرق الصوفية مثل الهبرية والحمداوة والعيساوة، إنه لا يزال يتذكر تلك المرأة ذات الحضور القوي التي تقرب من سن الخمسين التي كانت تؤجر لعائلته جزءا من الحوش الذي كانت تقطنه... كانت بيضاء، ذات عينين نافذتين، وذات أوشام منتشرة في كامل جسدها... كانت تتصرف وكأنها السيدة الحازمة والأم التي ترعب كل من يقطن حوشها... كان محمد يخشى غضبها وصرامتها، ولكنه ظل يحتفظ بذلك الحنان الذي كانت تبديه تجاه الأطفال وأمهاتهم في لحظات نادرة... كان زوجها في الجبل، وكانوا يطلقون عليها زوجة المجاهد... لم يكن محمد مير يتجاوز المنتصف الأول من سنوات الطفولة.. يبدو له هذا الجزء من حياته مثل صور نائية معلقة في سماء يوم غائم... يجهد ذاكرته ليسترجع التفاصيل، فيذكر لي أن صورة المجاهد بالنسبة إليه ملفوفة بأسطورة ذات طابع ديني طقسي... يقول محمد مير ونحن نغادر دار الصحافة باتجاه المقهى المحاذي "كنت أتصور المجاهدين على أنهم يظهرون في هيئات هي أقرب إلى هيئة نصف الآلهة أو قل خليط بين الإنسان والملاك، لم نكن نتصور نحن الصغار عندما نسمعهم يتحدثون عن المجاهدين، أنهم مثلنا، بل هم أشبه بسيدنا علي أو الشخصيات البطولية الخارقة التي تمتلك قدرات عجيبة في إلحاق الهزيمة بالأشرار وهم المستعمرون، العسكر الفرنسي، وبالتالي قيادتنا إلى زمن كله سعادة ومحبة"، ويتذكر المكان عندما ألح عليه في استنهاض ذاكرته، فيقول "كنا في تلك الفترة نتردد على مدرستنا، مدرسة الأهالي وكانت هذه المدرسة توجد بالقرب من الفضاء المخصص للمدينة الأوروبية.. ويومئذ كنا في توجهنا نحو المدرسة الإبتدائية، نشعر أننا نجتاز الحدود التي تفصل بين عالمين، عالمنا نحن العرب، وعالم المدينة الأوروبية.. كانت سيدي بلعباس تحتفظ بفضاء" - يضيف محمد - "فضاء المدينة العتيقة، مدينة الأهالي والعرب والزنوج، حيث المقاهي الشعبية في الطحطاحة، والجوامع والمحلات العربية، وفضاء مدينة الكولون، الأسياد الجدد الذين يعيشون عصرا غير عصرنا.. حيث المسرح، الثكنات، البنوك، المكتبات، فندق البلدية والكنيسة والطرق الواسعة المسفلتة والمليئة بالأضواء والأشجار الباسقة الجميلة.. عندما أذنت ساعة الاستقلال، طال انتظار زوج المرأة ذات الحضور واعتقد الجميع أن الزوج استشهد أو أصبح في عداد المفقودين.. لكن بعد شهور نزل زوج السيدة ذات الحضور إلى ڤومبيطا، وحدثت ضجة كبرى، وكادت السيدة ذات الحضور أن تموت من شدة الصدمة..
كان الجميع يعتقد ألا أمل من عودته بعد اختفائه المطلق طيلة سنوات الحرب".. ويستعيد محمد مير ملامح المجاهد الذي كانت زوجته ذات الحضور تروي لهم عنه في الحوش الكبير، أنه كان شامخا، يرتدي ملابس عتيقة رمادية، ذو جسد متين وعضلات مفتولة، يدخن الشعرة، صاحب نظرات قوية وساطعة، لكن لا يتحدث إلا قليلا.. لم يكن يشبه الآلهة القديمة ولا أنصاف الآلهة ولا الملائكة.. كان بشرا من لحم وعظم ودم، بل وكان في فترات نادرة يكشف عن أسنانه البيضاء عندما يبتسم تلك الابتسامة التي ظلت عالقة في ذاكرة محمد مير.. بعد الاستقلال انتقلت عائلة محمد مير إلى الحي القريب من وسط المدينة، حي سيدي عمر، حيث توجد قبة الولي الصالح سيدي عمر في أعلى هضبة معلقة على طريق السكة الحديدية الممتدة من تلمسان إلى وهران بسيدي بلعباس ووادي تليلات..
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : احميدة عياشي
المصدر : www.djazairnews.info