
عد حي العباد (أو قرية العباد كما كان يُعرف قديماً) أحد أبرز الأحياء التاريخية في مدينة تلمسان، غرب الجزائر. يقع على سفح جبلي جنوب شرق المدينة بحوالي كيلومترين، ويطل على سهول خصبة محاطة بغابات كثيفة من أشجار الزيتون والكروم، مما يمنحه موقعاً استراتيجياً وجمالاً طبيعياً فريداً يجمع بين الروحانية والسكينة.
يعود أصل تسمية "العباد" إلى كونه مكاناً للعبادة والزهد منذ العصور الإسلامية المبكرة، حيث كان يجذب المتعبدين والزاهدين بسبب هدوئه وعلوّه عن الضجيج. كان الحي في الأصل قرية مستقلة تشبه القرى المغاربية التقليدية، بأزقتها الضيقة المتعرجة التي تتسلق التلال، وبيوتها ذات الأسطح المسطحة المبنية من الحجر والطين.
مع مرور الزمن، وخاصة في القرن الرابع عشر الميلادي خلال عهد الدولة المرينية، تطور الحي بشكل كبير على يد السلطان أبو الحسن علي (المعروف بالسلطان الأسود)، الذي أمر ببناء مجمع ديني فخم تكريماً للولي الصالح سيدي أبو مدين شعيب. اندمج الحي تدريجياً مع مدينة تلمسان مع التوسع العمراني، لكنه احتفظ بطابعه الشعبي الأصيل، وأصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من التراث التلمساني، ووجهة سياحية ودينية تجذب الزوار من داخل الجزائر وخارجها.
يسيطر على قلب الحي المجمع المعماري الشهير لسيدي بومدين (أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي، توفي سنة 1197م)، وهو أحد أعظم أقطاب التصوف في المغرب العربي. ولد سيدي أبو مدين في الأندلس قرب إشبيلية، تلقى علومه في المغرب، وأصبح مرجعاً روحياً كبيراً قبل أن يُدفن في العباد بعد وفاته في طريقه إلى مراكش.
يتكون المجمع من:
شهد المجمع تأثيرات معمارية متعددة عبر التاريخ: ألمورافيد، ألموحاد، زناتيين، مرينيين، ثم العثمانيين، مما جعله نموذجاً للتعدد الثقافي في المنطقة.
يظل حي العباد مزاراً روحياً هاماً، خاصة في المواسم الدينية والزيارات السنوية (الزيارة الكبرى). تم ترميم المجمع بشكل كبير سنة 2011 عندما كانت تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية، مما أعاد إليه بريقه وجعله موقعاً سياحياً بارزاً ضمن البرنامج الوطني لحماية التراث.
كما أن الحي جزء من متنزه تلمسان الوطني، ويوفر إطلالات خلابة على المدينة وعلى هضبة لالة ستي المجاورة. يعكس حي العباد تاريخ تلمسان كعاصمة ثقافية وروحية للمغرب الأوسط، ويذكّر بفترة ازدهارها في العصور الوسطى عندما كانت ملتقى للعلماء والصوفية والفنانين الأندلسيين الهاربين من الاسترداد الإسباني.
في الختام، يبقى حي العباد شاهداً حياً على عمق التراث الإسلامي المغاربي، ودعوة مفتوحة لاستكشاف تاريخ الجزائر الغني بالروحانية والجمال المعماري.
مضاف من طرف : tlemcen2011