الوادي - Revue de Presse

مذكرات نساي ''زمن الوادي''



 للصيف في المتيجة وفي جبالها ميزة خاصة، قد لا توجد في غيرها من مناطق الجزائر الأخرى، نظرا لما كانت تشهده من أحداث، ولما كانت تجود به حقولها وبساتينها من خيرات وغلال في هذا الفصل، ولعل المدينة التي عاش فيها صاحبنا أوفر حظا من هذه النعم.
لقد شكل الوادي الذي يحاذي البلدة جزءا كبيرا من يوميات صاحبنا في فصل الصيف، إذ كان يلجأ إليه مع أقرانه للاستجمام بدل البحر الذي يبعد عن المدينة وعدم توفر الإمكانيات للذهاب إليه. ففي نهاية الستينيات، لم تكن مياه وادي البلدة تعرف التلوث. ولوفرتها، كانت تمتد لأطراف البساتين المحيطة بالمدينة، وهي في الحقيقة من تصميم وإنجاز المعمرين، وكانت تسقي بساتين البرتقال والليمون وأشجار التين وغيرها من الأشجار. أغلبه اندثـر اليوم، وحلت بدله مبان رديئة لا تخضع لأي معيار معماري أو جمالي.
قلت، كان الوادي على صفاء مياهه ملجأ صاحبنا مع أقرانه للاستجمام والتسلي بصيد أسماكه طوال اليوم، وفي العودة مساء، كان صاحبنا ومن معه يتسللون إلى البساتين والحقول لقطف بعض الثـمار، بعدما يكون الجوع قد نال منهم كثـيرا، وكان أصحاب هذه البساتين غالبا ما يتفطنون لهم ويطاردونهم، فلا يتحصلون إلا على التعب والخوف من الإمساك بهم، وفي الحالة الأخيرة مصيبة كبرى إذا تعرف صاحب البستان على أهل الطفل وأبلغ والده بفعلته، فينال عقابا لا ينساه ما حيي. عرف صاحبنا الموت كظاهرة مأساوية وأقسى درجات الحزن الذي يجلبه معه في سن مبكر، إذ حضر أول مأتم في بداية حياته لشخص يقربه، مات مقتولا بطعنات خنجر وجهها له أحد جيرانه إثـر شجار وقع بينهما لخلاف تافه، سببه أطفال من كلا الطرفين تشاجروا في الطريق وهم عائدين من المدرسة فتطور إلى تدخل الأولياء وانتهى بقتيل في المقبرة وقاتل في السجن.
هذه الحادثـة الحزينة جعلته يدرك مبكرا أن الموت قدر الأحياء، وأنه (الموت) قريب من الإنسان، وأن الفرح يمكن أن ينقلب إلى مأساة في أي لحظة من اللحظات. هذه الحادثـة صدمته، وحزن مع أهل الميت لأيام عاشها مرعبا خائفا وكوابيسها لم تفارقه لأسابيع، حتى لم يعد يطيق النوم منعزلا.
الحادثـة هذه طبعت شخصيته وأضفت عليها من يومها ميزة الحزن الذي احتفظ به في داخله بصمت، ولعل جلب رفاة الأمير عبد القادر من سوريا الشقيقة وموت الرئيس المصري جمال عبد الناصر عمقا لديه هذا الشعور الدائم بالحزن إلى اليوم، وكم لام والديه، رحمهما الله، بعدما كبر على حادثـة المأتم والرعب الذي عاشه بسببه.
ليست الأحزان وحدها التي ملأت ذاكرته بل كانت تقابلها الأفراح، لاسيما الأعراس التي كان يحضرها. ولازالت نغمات الموسيقى بكل أنواعها، من الشعبي المتوازن إلى صخب الزرنة وهرج ومرج الغيطة في بعض الأعراس التي كانت تقام في الأرياف، يتذكرها. كان صاحبنا قليل السهر، فغالبا ما كان يرمي يجسده في أي مكان هادئ، لا يستيقظ إلا مع انصراف المدعوين للعرس، وغالبا ما كان أهله يبحثـون عنه للعودة إلى البيت، فيقوم كالسكران يتعثـر في مشيته ليصل إلى منزلهم الذي كان يبدو له بعيدا. فإذا وصل، رمى بجسمه في سريره الخشبي البسيط في نوم لا يفيق منه إلا بعد زوال اليوم الموالي.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)