الجزائر تعيش موجة عنف ثانية بعد موجة الإرهاب
المنحرفون لا يدخلون المساجد والأئمة لا يخرجون منها
حذر عدد من المختصين خلال ندوة الشروق من تنامي غير مسبوق لمظاهر العنف والجريمة في الجزائر، مرجعين ذلك إلى انعدام العدالة الاجتماعية وغياب دور للأسرة والمدرسة والمسجد، بالإضافة إلى تلاشي ثقة المواطن في الدولة التي عجزت عن حماية رعاياها رغم الترسانة القانونية والردعية التي تبقى بلا مفعول مادام الإحساس بالظلم قائما.
أكد رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث "فورام" خلال ندوة الشروق التي تناولت واقع العنف والجريمة في الجزائر أن دراسة أنجزت سنة 2000 حذرت من موجة عنف ثانية في الجزائر بداية من سنة 2011، يقودها أزيد من 950 ألف شاب من ضحايا المأساة الوطنية، الذين لم يتم التكفل بهم، مما جعلهم قنابل بشرية مؤقتة تفجر بعضها، وهذا راجع إلى غياب العدالة الاجتماعية التي همشت هؤلاء الشباب الذين باتوا ينقمون على كل ما يرمز للدولة التي لم تعد تمثل بالنسبة إليهم سوى أداة للقمع والظلم والقهر، وأضاف خياطي أن المأساة الوطنية خلفت أزيد من مليون ضحية من شريحة الأطفال تم التكفل بـ50 ألف طفل فقط، والبقية تركوا فريسة للكوابيس والقهر الاجتماعي، أولائك الأطفال تحوّلوا اليوم إلى شباب بلا مستقبل ولا واقع مما جعلهم يقودون موجة من العنف التي تم التحكم فيها مستقبلا.
مساجين صينيون يتمتعون بالوظائف في الجزائر ويُهمش المساجين الجزائريون
فقدان الثقة بين الدولة والمواطن سبب استفحال الجريمة
"سوء الإدماج الاجتماعي للمساجين تقابله قطيعة بين المجرمين والدولة، والنتيجة ازدياد الأجرام في المجتمع"، بهذه العبارة استهل المحامي عمار حمديني، رئيس المنظمة الوطنية لرعاية وإعادة إدماج المساجين حديثه، معتبرا أن الدولة في العشرية الأخيرة ركزت جهودها على الناحية الكمية، فيما يخص إنشاء المؤسسات العقابية، وسن القوانين الجزائية الردعية، لكنها أغفلت تحضير قوانين للتكفل بإعادة إدماج المسجون في المجتمع، رغم صدور قانون إدماج المساجين سنة 2005.
»فكثير من المسبوقين قضائيا طردوا من وظائفهم السابقة، ولا أمل لهم في وظائف مستقبلية، وحرموا من جوازات سفرهم حتى ولو كانت تُهمهم بسيطة وكلفتهم عقوبة السجن غير النافد، وهو ما يجعلهم يختارون التصرفات غير القانونية«. واستغرب المحامي حمديني لاستعانة الدولة بمساجين صينيين قطعوا آلاف الأميال للعمل بالجزائر، في حين يحرم المساجين الجزائريون من الأمر. وفيما يخص عقوبة النفع العام التي أقرها القانون الجزائري مؤخرا، والقاضية باستبدال عقوبة السجن بالإدماج للعمل في احدى المؤسسات، اعتبر المتحدث أنه تنقصها الكثير من الأليات »فبعض المؤسسات ترفض استقبال المتهمين« وهو دليل على فقدان المجتمع للثقة في المسبوقين، وبالتالي يفقد السجين ثقته بالدولة. وركز الضيف على الدور الكبير الذي ستلعبه الجمعيات في القضاء على العنف إذا ما فتحت لها الدولة المجال وسهلت لها السلطات التنفيذية من أميار وولاة الأمر، عن طريق الغوص في أعماق المجتمع والالتقاء بالفئات المعنية بالأجرام، لكن -حسبه- الدولة أوصدت الأبواب، وتجاهلت الإدارة الأمر، ضاربا مثالا بمنظمته التي لم تتحصل على الاعتماد لحد اللحظة »رغم الجهود المبذولة ميدانيا، على غرار التكفل بعائلات المساجين، لأن أولاد المساجين لو أحسوا بظلم من الدولة والمجتمع فإنهم سيتخذون نفس سبيل أبائهم«.
وشدد المحامي على ضرورة التنسيق بين وزارات التضامن، الأسرة، الشبيبة والرياضة، التعليم والتربية، واستغرب المتحدث في ختام كلامه من اعتبار الدولة للشاب البالغ 19 مسؤولا عن أفعاله ويستحق العقاب، وفي المقابل تحرمه من أبسط حقوقه على غرار الوظيفة، ومنحة البطالة...
وزارة الشباب تحوّلت إلى وزارة للمنتخب الوطني
انتقد خياطي وزارة الشباب والرياضة التي تحوّلت حسبه إلى وزارة للفريق الوطني لكرة القدم، في حين يوجد في الجزائر أزيد من 20 مليون شاب بحاجة إلى الرعاية والتأطير، ويمكن لهذه الحشود من الشباب أن تنفجر في أي وقت مع ارتفاع معدلات البطالة والهجرة غير شرعية وأزمة السكن، ودعا المتحدث إلى تفعيل دور مراكز الشباب في استقطاب هذه الشريحة التي بدأ اليأس يتوغل في أعماقها، مما جعلها أكثر عدوانية وعنفا، فالكثير من الدراسات أكدت حسب خياطي أن مظاهر العنف في الجزائر في تنام مخيف يهدد منظومة القيم الاجتماعية، مما يدعو إلى ضرورة تكافل الجهود من أجل تأطير الشباب وحتى الأطفال الذين باتوا أكثر عدوانية "فمن غير المعقول أن نرى تلميذا في الابتدائي يحرق العجلات ويغلق الطريق من أجل أن يدرس في أقسام غير مكتظة".
134 ألف جريمة سجلت خلال سنة والعقاب لا يكفي
أكد السيد فرحي عبد اللطيف ممثلا عن المديرية العامة للأمن الوطني أن هذه الأخيرة سجلت أزيد من 131 ألف قضية إجرام خلال سنة، منها 73 ألف قضية متعلقة بالأشخاص و52 ألف بالممتلكات، بالإضافة إلى 3626 قضية متعلقة بالجرائم الاقتصادية و2653 متعلقة بالمخدرات و2067 بالهجرة غير الشرعية، وأضاف المتحدث أن الجرائم المتعلقة بالأشخاص عرفت تناميا رهيبا، وهي من أكثر القضايا المسجلة، مما يدعو إلى ضرورة التوعية والتحسيس لتفادي المزيد من العنف، فالترسانة القانونية والردعية لا تكفي وحدها لاستتباب الأمن، ولو وضعنا شرطيا لكل مواطن، فإن هذا لا يمثل حلا للتخلص من موجة العنف والجريمة التي اجتاحت المجتمع بل يجب تفعيل ثقافة الشرطة الجوارية التي من أهدافها التقرب من المواطن قصد تحسيسه وتوعيته بدل عقابه.
لا يوجد في الجزائر "الإحساس بالأمن"
قالت السيدة رقية ناصر رئيسة شبكة "وسيلة الدفاع عن المرأة والطفل" أن المواطن الجزائري بحاجة إلى الإحساس بالأمن الذي يبقى حقا شرعيا مهضوما، في ظل ارتفاع نسبة جرائم المساس بالأشخاص والممتلكات، حيث أصبح المواطن يخاف على نفسه وهو في بيته، وأضافت أن ارتفاع معدلات تورط المرأة في الجريمة راجع إلى سهولة استغلالها في ظل ارتفاع معدلات العنف الأسري الذي دفع بالمئات من الفتيات إلى الهروب من البيت والتشرد في الشارع مما جعلهن فريسة سهلة لشبكات الإجرام التي باتت تستغلهن في جذب الضحايا، وقالت السيدة ناصر إن الأطفال في الجزائر باتوا أكثر تورطا في العنف والإجرام بسبب غياب دور الأسرة وما تعلنه مصالح الأمن من أرقام لا يمت للواقع بصلة.
الإمام الواعظ قاسم بن عودة:
"الشريعة الإسلامية حددت سن الرشد بـ21 سنة لا 18 سنة"
قال الإمام الواعظ، قاسم بن عودة، إن القانون الجزائري لم يأخذ بعين الاعتبار الشريعة الإسلامية في تحديد سنّ الرشد، ففي وقت قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن تربية الأولاد "علمه سبعا، وربّيه سبعا، وصاحبه سبعا"، أي أن على الأب أن يقسّم تربية إبنه إلى ثلاث مراحل، وأن لا يدعه يتحمل مسؤولياته إلى غاية بلوغه 21 سنة، نجد أن القانون الجزائري يعتبر سنّ الرشد هي 18 سنة.
وأضاف الإمام قاسم بن عودة، الذي كان ضيف ندوة الشروق اليومي حول "الإجرام في المجتمع الجزائري"، أن "السبب الرئيسي في تفشي الإجرام في المجتمع الجزائري تتحمّله الأسرة بالدرجة الأولى، حيث أن الآباء ينشغلون بأمور العمل ومشاغل الدنيا وينسون إعطاء الأولية لتربية ومراقبة أبنائهم، ويجد الطفل نفسه في عالم وحده"، وكنتيجة حتمية لذلك تراجع الدور الرئيسي للأسرة في المجتمع... والحل الوحيد ـ حسبه ـ عودة المجتمع للتمسّك بأخلاق أجدادنا التي بدأت تندثر"، مضيفا "إذا أردنا أن نتحكم في الإجرام يجب أن نفهم دور الأسرة في بناء المجتمع بكل تراكماته القبلية والآنية، ويجب أن نغربل ونصفي ما يتلقاه هذا المجتمع، وهذا هو دور الجمعيات والمنظمات وجمعيات الأحياء والمساجد، لأن هذه الهيئات هي التي يمكنها تطبيق القانون والبرنامج الذي يبني المجتمع، وهي التي تستطيع رسكلة الأفراد لجعلهم صالحين".
الإمام المفتش سليم محمدي صاحب حصة أنوار العبادة في إذاعة القرآن
"المجرمون والمدمنون لا يأتون للمسجد والأئمة لا يخرجون منها"
صرح الإمام المفتش سليم محمدي، صاحب حصة أنوار العبادة في إذاعة القرآن، "أن دور الأئمة في الوعظ والإرشاد ينحصر داخل المساجد، ولا يستطيع الإمام أن يلقي خطبه في الشارع، أو في الأسواق، ومن المعروف أن المدمنين والمجرمين لا يأتون إلى المساجد، إلا بعض من لهم أخطاء أو زلاّت يريدون التكفير عنها... أما المجرمون الكبار الذين احترفوا الإجرام فلا يأتون للمسجد، ولا يعثر عليهم الإمام لينصحهم ويرشدهم... وهنا المشكلة، فهؤلاء لا يجدون من يقول لهم اتّقوا الله، ولا من يوقظهم من غفلتهم وينصحهم، ولا يعقل أن يذهب الإمام للبحث عنهم في الشوارع من أجل تقديم الوعظ لهم".
وخلاصة القول بحسب المتحدث، أن "هناك ثالوث خطير ومتكامل في تربية المجتمع هو الأسرة، والمدرسة، والمسجد، كل منها يكمّل دور بعضها البعض، وبعدها يأتي دور الإدارة عن طريق البرامج التي تطبقها، وإذا تهاون طرف من هذه الأطراف في آداء دوره ينحرف الأفراد في المجتمع".
الأستاذ يوسف حنطابلي أستاذ علم الإجتماع بجامعة البليدة:
"الإصلاحات السياسية تشعر الفرد بالمواطنة وتجنب الدولة انتفاضة الشعب"
أكد يوسف حنطابلي أستاذ علم الاجتماع بجامعة البليدة في فوروم الشروق حول الجريمة في الجزائر، أن ارتكاب الجرائم ليست لها علاقة بالتنشئة الاجتماعية، موضحا أنه لا يجب أن نُحمّل مسؤولية انتشار المجرمين إلى الأسرة أو المدرسة أو الشارع قبل أن نتمكن من تعريفها والتعمق في مفهومها السوسيولوجي، الذي إلى يومنا نستحضره من التقاليد والأعراف وهذا ما يؤدي إلى زوال الأسرة. وأشار الأستاذ إلى أن علماء الاجتماع في أوربا توصلوا إلى أن انتشار الجريمة عند الأطفال سببه ظاهرة أطلق عليها اسم "أطفال المفاتيح" الذين يملكون مفاتيح كل شيء في محيطهم ابتداء من مفاتيح المنزل، هذا ما يشجعهم على الانحراف، وعلق المتحدث أن عملية الردع ليست لها علاقة بالخطاب الديني أكثر من الرقابة الاجتماعية التي باستطاعتها منع الشلخ الحاصل بين الدولة والمجتمع، مستدلا بذلك انخفاض نسبة الجريمة في خضم الثورات، عندما ترتفع الشحنة الوطنية مثلا خلال مباراة كرة القدم، على غرار نظرية النوافذ المتكسرة التي توصل إليها الباحثون في نيويورك، حيث وجدوا كثرة المجرمين في الأحياء التي سكانها لا يبالون بالفضاء العمومي، أين يعطي للإنسان وهم وشعور أن المجتمع لا يراقب ولا يبالي. وعن أوجه الانحرافات وسط الجزائريين أكد أن الإحساس بالظلم واللاعدالة يؤديان بالمواطن إلى الانحلال والانتقام من محيطه بارتكاب الجرائم، من جهة أخرى فند مقولة أن الإجرام ينتشر وسط الفقراء والمعوزين فقط فهناك مهندسون وأطباء ومعلمون منحرفون لغياب رادع قوي لهم، حيث تلعب الظروف دورا مهما في ذلك. مشيرا بذلك إلى "شروع رئيس الجمهورية في إصلاحات عاجلة مآلاتها أنها تشعر الفرد الجزائري الذي يتحول من خلالها إلى الشعور القوي بالمواطنة أي المشاركة الفعالة والحقيقية في بناء الفضاء العمومي بمؤسساته وجمعياته، وهذا قد يكون نتيجة الهبّة التي جاءتها من قبل الدول المجاورة، التي بادرت بالإصلاحات نتيجة الثورات التي أدت فعلا إلى تغييرات، وبالتالي بادرت الجزائر بأقل تكلفة أن تستبق الأحداث بإصلاحات شعرت الدولة أنها ضرورية لكبح غضب شعبها".
وختم الأستاذ حنطابلي مداخلاته بأن علاج ظاهرة الجريمة يكون بتجنيد العلوم الاجتماعية وإعطائها المكانة لتشخيص المرض ومكامن الظاهرة مع ضرورة إشراك الفرد في بناء الفضاء العمومي والعمل على دفن عبارة "البيلك" بمعناها "ما لا أملكه لا يعنيني" وهو المفهوم الذي يمس بالفضاء العمومي واللامبالاة به في كل مستوياته المادية وغير المادية توهم الفرد بعدم وجود مراقبة اجتماعية أو حضور جماعي، وهذا ما يعطيه شعورا بالعدوانية وحبا في ارتكاب الجرائم.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : infoalgerie
المصدر : echoroukonline.com