يحرج الجبناء فيتوقحون ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر المذعورة ولا يقدمون.. والجبن والتوقّح ليسا متناقضين ولا متباعدين بل إنّهما لعنوان في كثير من الأحيان. يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن، فيخرج بأنّه ناكل عن الواجب، فيسبّ هذا الواجب ويسبّ حتّى الّذي أمره به وإن كان في صالحه لأنّه أعماه عن الحقيقة جبنه وأرداهُ قتيلاً مُكره فليس بِربِّهم إذا كانت ربوبيته ستكلّفهم القتال.. فلسان حالهم يقول لا نريدُ ملكاً ولا نريد عزًّا ولا نريد أرض الميعاد ودونها لقاء الجبارين..
وهكذا أسلمهم الله وهُم على أبواب الأرض المقدسة للتيه وحرّمها عليهم أربعين سنة ريثما ينبت الجيل الجديد. وأحسن ما أجاب به الصّحابة الأبرار رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين استشارهم في قتال النّفير الذين جاؤوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان بن حرب، فلمّا اقتنص العير واقترب منهم النّفير وهُم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدّة والعدد، فتكلّم أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فأحسن ثمّ تكلّم من الصّحابة من المهاجرين، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ''أشيروا عليّ يا أيُّها النّاس، أشيروا عليّ أيّها المسلمون''. وما كان قصده عليه الصّلاة والسّلام إلاّ ليسْتعْلِم ما عند الأنصار، لأنّهم رضوان الله تعالى عليهم كانوا قد عاهدوه من قبل أن يحموه كما يحمون أموالهم وأولادهم من كلّ مكروه لكن داخل المدينة، أمّا خارجها كما هي الحال في وقعة بدر الكبرى... فغير وارد أمرها في الميثاق.. والأنصار كانوا يومئذ جمهور النّاس..
فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه الّذي اهتزّ له عرش الرّحمان عند وفاته، ''كأنّك تعرض بنا يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوالَّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخُضناه معك، ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًّا، إنّا لصبر في الحرب، صدق في اللِّقاء لعلّ الله أن يريك منّا ما تُقرّ به عينك فَسِر بِنَا على بركة الله''... فَسَرَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقول سعد، ونشَّطه ذلك.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : الشيخ الطاهر بدوي
المصدر : www.elkhabar.com