
جاءت أحكام في الإسلام تامّةً كاملةً بكل تفاصيلها وجُزئياتها وبكل ما يتعلّق بها، فالإسلام لم يترك شاردةً ولا واردةً، صغيرةً ولا كبيرةً إلا ذكرها وبيَّن أحكامها وتفاصيلها، وذلك إنّ دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على عِظَم وشموليّته وصلاحيّته لكل زمانٍ ومكان.
لغةً مصدر استحيضت المرأة فهي مُستحاضة. أمّا الاستحاضة اصطلاحاً فهي سيلانُ الدّم في غير أوقاته، من مرضٍ وفسادٍ، من عرق في أدنى الرّحم يُسمّى العرق العاذل.
عرّف الحنفيّة الاستحاضة بأنّها عِرق انفجر ليس من الرّحم. وعرّفها الشافعيّة بأنّها ( علّة يسيلُ من عرقٍ من أدنى الرّحم يُقال له العاذل).
ذكر الدّكتور وهبة الزحيليّ تعريفاً شاملاً للاستحاضة، فقال: (سيلان في غير أوقاته المُعتادة (غير الحيض والنّفاس) من مرض وفساد، من عِرْق أدنى الرّحم يُقال له العاذل، فكل نزيف من الأنثى قبل مُدّة الحيض (وهي تسع سنين)، أو نقص عن أقّل الحيض، أو زاد على أكثره أو أكثر النّفاس، أو زاد عن أيّام العادة الشهريّة وجاوز أكثر مدّة الحيض، أو ما تراه الحامل (الحُبلى) في رأي الحنفيّة والحنابلة، هو استحاضة).
الاستحاضة حَدَث دائم باتّفاق الفقهاء، أو كالرُّعاف الدّائم، أو كالجرح الذي لا يتوقّف دمه ولا ينقطع عند الحنفيّة والحنابلة، فلا يمنع شيئاً ممّا يمنعه والنّفاس من صلاة وصوم ولو كانت نافلةً، وطوافاً، وقراءة قرآنٍ، ومسَّ مُصحف، ودخول المسجد، والاعتكاف، والوطء ، وقد دلَّت على ذلك الأحاديث الثّابتة عن النّبي عليه الصّلاة والسّلام في ذلك، منها:
ذهب المالكيّة إلى استحباب المُستحاضة لكلّ صلاة، ويُستحَبّ لها أيضاً الغسل بعد انقطاع دم الاستحاضة.
ذهب الحنفيّة والشافعية والحنابلة (الجمهور) إلى أنَّه يجب على المُستحاضة أن تتوضّأ لكل صلاة بعد أن تُطَهِّر فرجها، وتتحفّظ وتحتاط من نزول الدّم في الصّلاة بما تيسّر لها لأجل ذلك، لقول النبي عليه الصّلاة والسّلام لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدّم: (أنْعَت لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهب الدمَ)؛ والدليل على أنّ المُستحاضة تتوضأ لوقت كل هو أنّ النبي عليه الصّلاة والسّلام قال في المستحاضة: (تدع الصّلاة أيام أقرائها (حيضاتها)، ثم تغتسل، وتتوضّأ عند كل صلاة، وتصوم وتُصلّي).
ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا أصاب الثّوب من الدّم مقدار مَقعِر الكفّ فأكثر وجب غسله إذا كان الغسل ذا فائدة، وإذا تنجّس الثّوب مرّةً ثانية قبل أن تُنهي صلاتها جازلها ألا تغسل الثّوب؛ لأنّ في إلزامها التّطهير مشقّةً وحرجاً. ذهب الشافعيّة إلى أنَّه إذا تحفّظت لم يضرّ الطّهارة خروج الدم، حتّى لو لوَّث لباسها في تلك .
اختلف الفقهاء في الدّم الذي تراه هل هو دم حيض أم لا، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ دم الحامل دم علّة وفساد؛ أي أنَّه دم استحاضة وليس بدم حيض، وأنّ الحامل لا تحيض، وقد استدلّوا بما رواه أبو سعيد الخُدريّ رضي الله عنه أنَّ النّبي عليه الصّلاة والسّلام قال في سَبي أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض)، ووجه الاستدلال أنّه جعل الحيض دلالةً على براءة رحم المرأة، وبناءً على هذا لا يجتمع مع الحمل، أي أن تكون المرأة حاملاً وحائضاً في نفس الفترة، وعلى هذا يكون الدم دم استحاضة، واستدلّوا أيضاً بقول النّبي عليه الصّلاة والسّلام في حق ابن عمر - لما طلّق زوجته وهي حائض-: (مُره فليراجعها ثم ليُطلّقها طاهراً أو حاملاً)، فجعل وجود الحمل علماً ودلالةً على عدم الحيض كالطّهر؛ أي كما أنّ الطّهر دلالة على عدم وجود الحيض، فالحمل أيضاً دلالة على عدم وجود الحيض.
وقد ذهب المالكيّة والشافعيّة إلى أنّ دم الحامل حيض، وقد استدلّوا بعمومِ الأدلّةِ ومنها قول النبي عليه الصّلاة والسّلام: (دم الحيض أسود يُعرَف)، واستدلّوا أيضاً أهل المدينة عليه.
للمُستحاضة ثلاث حالات:
مضاف من طرف : mawdoo3
صاحب المقال : هبة الطباع
المصدر : www.mawdoo3.com