
العمرةُ لغةً: الزيارةُ، ويُقالُ اعتَمَرَ فلاناً: أي زارهُ، وقيلَ إنَّ العُمرةَ هي قصدُ مكانٍ عامرٍ. والعُمرةُ شرعاً: هي زيارةُ بيتِ اللهِ الحرامِ، في غيرِ وقتِ الحجِّ؛ لأداءِ عبادةٍ مخصوصةٍ، مِن وسعيٍ.
في العُمرِ مرَّةً سُنَّةٌ مؤَكَّدةٌ، أي إذا أتى المسلم بِها مرةً واحدةً فقد أقامَ السُّنَّةَ، وزمنُ العُمرةِ غيرُ مقيَّدٍ بوقتٍ معينٍ، باستثناءِ الأوقاتِ التي ثبتَ النَّهيُ عنها، وهذا هو الفرقُ بينَ الحجِّ والعُمرةِ فيختلفانِ مِنْ حيثِ الزمانِ والأحكامِ؛ فللحج أشهرٌ معروفةٌ ومعلومةٌ، لا يجوزُ بغيرِها ولا يصحٌّ الحجُّ إلَّا فيها، وهذهِ الأشهرُ: شوالٌ وذو القعدةِ والعشرُ الأُوَل مِن ذي الحجَّةِ. وأمَّا فالسَّنةُ كلُّها زمانٌ يصلُحُ لأدائِها في أشهُرِ الحجِّ وغيرِها، وهذا ما اتفَّقَ العُلماءُ عليهِ، بمعنى أنَّ الميقاتَ الزماني للعمرةِ جميعُ أيامِ السنةِ، فهي لم تُخصَّص وتُحدَّد بوقتٍ معينٍ، وأرجحُ ما قيلَ في تحديدِ الزَّمنِ الذي شُرِعت فيهِ العُمرة كانَ في العامِ التاسعِ مِنْ هجرةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما يرويهِ عنهُ ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً) وبِذلكَ أبطلَ رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام ما كانَ معروفاً في الجاهليةِ، أنَّ لا تكونُ في أشهُرِ الحجِّ.
لِلعُمرةِ أعمالٌ أربع وهي: ، والطوافُ، والسَّعي بينَ الصَّفا والمَروة، والحلقُ أو التقصيرِ، والإحرام أول ، وهو أن ينوي من يريدُ الدخولَ في ، ولا تصحُّ العمرةُ إلا بالنية، ومحلها القلب، وعلى المعتمر إذا وصلَ إلى الميقاتِ المكاني (مكان الإحرام) أن يتجرّدَ من ثيابهِ، ويتنظف ويتطيّب ويغتسل، ويلبس رداءً (وهو ما يلفُّ به النصف الأعلى من البدنِ دون الرأسِ وإزاراً (وهو ما يلفُّ به النصفُ الأسفل منهُ) ويُسنُ أن يلبسَ ملابس الإحرامِ عقبَ صلاةٍ، كأن يصلي ركعتين وهو الأفضل.
ثم يدخل المسجدَ من بابِ السلامِ، في خشوعٍ وخضوعٍ ودعاءٍ وتضرعٍ، ثم يأتي ، والبدءُ بالطوافِ بأن يقصدَ الحجرَ الأسودَ فيقبّلهُ إن تيسّرَ، وإلا فيشيرُ إليهِ بيدهِ، والحجرُ الأسودُ نقطةُ البدءِ في الطوافِ، ثم يستقبلهُ ويجعل البيتَ عن يسارهِ، ويُستَحبُّ أن يرملَ (أي يسرعَ في المشي) في الثلاثة أشواطِ الأُولِ، ويمشي كالمعتادِ في بقيةِ الأشواط الأربعةِ، ويُستحَبُّ أن يُقبِّلَ الحجرَ الأسود، أو يُشير إليهِ في كلِ شوطٍ، ويُكثرَ من والتضرع إلى اللهِ عز وجلَ، فليس هناك دعاءٌ مخصوصٌ أثناءَ ، ويُشترطُ للطوافِ الطهارة من الحدثِ الأصغرِ، أي أن يكون على وضوءٍ.
والعملُ الثالثُ مِن أعمالِ العُمرةِ: السعي بينَ الصفا والمروة، فإذا انتهى المُعتمر من خرجَ إلى الصَّفا لأداءِ السعي، ولا يُشترطُ الصعود على جبلِ الصَّفا بل عليهِ التأكد أنهُ في طرفِ الجبلِ بصعودِ بعضِ أجزاء مِنَ المُدرَّجِ الموضوعِ عليهِ، ثم يَهبطُ إلى الوادي داعياً اللهَ عزَّ وجلَّ، حتى إذا وصلَ ميلينِ بعدَ مشيهِ في الوادي هرولَ (أي أسرعَ في مشيهِ قليلاً)، وهنا الإسراعُ خاصٌ بالرِّجالِ دونَ النِّساءِ، ويُحتسبُ الذهابُ مِنَ الصَّفا إلى المروةِ بشوطٍ واحدٍ، ومِنَ المروةِ إلى الصَّفا كذلك، فإذا تمَّ السعيُ على هذهِ الحال سبعة أشواطٍ، فقد انتهى مِن أعمالِ العُمرةِ، وعليهِ أن يتحللَ مِن إحرامهِ بالحلقِ أو التقصيرِ.
الشُّروط الواجب تَوافرها في المُعتمر:
شرعَ اللهُ عزَّ وجلَّ العباداتِ، وبيَّنَ الأحكامَ؛ تحقيقاً لِمصالحِ العبادِ في الدنيا والآخرةِ، وتظهر حكمة وفوائد بعضُ العباداتِ وأثرها على العبادِ، والبعضُ الآخرُ تُخفى لحكمةٍ يعلمُها اللهُ عزَّ وجلَّ، في الدنيا نراها ونلمسُها غيرَ رضى اللهِ عزَّ وجلَّ، والأجر والثواب في الآخرةِ، ومِن هذهِ الفوائدِ:
روى أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام: (أنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اعتمَر أربعَ عُمَرٍ كلُّهنَّ في ذي القَعدِة: عُمرةُ الحُديبيةِ في ذي القَعدةِ، وعُمرةٌ مِن العامِ المقبِلِ في ذي القَعدةِ، وعمرةٌ مِن الجِعْرانةِ حينَ قسَم غنائمَ حُنينٍ في ذي القَعدةِ، وعمرةٌ مع حَجَّتِه)
والأربعَ عُمر هي: عُمرةُ الحُديبِية، والتي كانت لِزيارةِ البيتِ الحرامِ في السَّنةِ السَّادِسةِ مِنَ الهِجرةِ النَّبويَّةِ، وعُمرةُ القضاءِ مِنَ السنةِ السابعةِ، وعُمرةُ الجعرانةِ في السَّنةِ الثامنةِ في وادي حُنين بَينَ مكَّةَ والطائفِ على بُعدِ ثلاثِ ليالٍ مِن مكة، والعُمرةُ التي مع حجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ التاسعة.
ومن العلماء من يقول إنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- اعتمر عمرتين فقط، الأولى كانت في ذي القعدةِ، والثَّانية كانت في شوالٍ، وهذا ليس تناقضاً في الروايات فمن قال إنّ الرسول اعتمر أربع مرات عدّ من ضمن العمرات العمرة التي اقترنت -صلى الله عليه وسلم- وعدّ أيضاً العمرة التي رجع ولم يؤدِّها وقت صلح الحديبية، بينما من قال إنّ الرسول اعتمر عمرتين فقط فذلك لأنه لم يحتسب العمرة التي اقترنت بحجة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يحسب كذلك العمرة التي رجع الرسول ولم يكملها كما نصت شروط .
ولا بأسَ مِن تكرارِ العُمرةِ في السَّنَةِ الواحدةِ، ويدلُّ على ذلكَ حديثُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام: (العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارَةٌ لمَا بينَهمَا)
قال جمهور العلماء في هذا الحديث دليلٌ على استحباب تكرارِ في العام أكثر من مرة.
مضاف من طرف : mawdoo3
صاحب المقال : محمد ابو خليف
المصدر : www.mawdoo3.com