
ارتبط تاريخ الجزائر ارتباطًا وثيقًا بمناخها المتوسطي والصحراوي، حيث لم يكن الريح مجرد ظاهرة جوية عابرة، بل كان في كثير من الأحيان فاعلًا حقيقيًا في مسار الأحداث. فمن العواصف البحرية التي غيرت موازين الحروب، إلى رياح الرمال التي شلّت الاقتصاد والحياة اليومية، لعب الريح دورًا حاسمًا في تشكيل الذاكرة التاريخية للبلاد.
تُعد عاصفة سنة 1541 أشهر حدث مناخي في تاريخ الجزائر. في تلك السنة، قاد الإمبراطور شارل الخامس حملة عسكرية ضخمة تضم أكثر من 500 سفينة للاستيلاء على مدينة الجزائر، عاصمة إيالة الجزائر آنذاك.
في ليلة 24 إلى 25 أكتوبر 1541، هبّت عاصفة عاتية على خليج الجزائر، تحولت بسرعة إلى إعصار مدمر. تحطمت السفن الإسبانية على الصخور، وغرقت عشرات القطع البحرية، وتلفت المؤن والبارود، مما أفقد الجيش الإمبراطوري قدرته على القتال.
وجدت القوات نفسها محاصرة بالبرد والطين والجوع، واضطرت إلى الانسحاب في هزيمة مذلة. عزز هذا الحدث مكانة الجزائر العسكرية والسياسية، وارتبط اسمها بلقب «الجزائر المحروسة»، في إشارة إلى مدينة أنقذها الريح وحمتها من الغزو.
على عكس عاصفة 1541، فإن رياح الشهيلي ليست حدثًا واحدًا، بل ظاهرة دورية رافقت الجزائريين عبر قرون طويلة. وهي رياح جنوبية حارة وجافة قادمة من الصحراء، محمّلة بالغبار والرمال.
تتميز هذه الرياح بقدرتها على رفع درجات الحرارة بشكل مفاجئ، لتتجاوز أحيانًا 45 درجة مئوية خلال ساعات قليلة. وقد تركت آثارًا عميقة على الصحة العامة والنشاط الاقتصادي، خاصة في الفلاحة.
خلال الفترة الاستعمارية، أشارت الوثائق إلى ما سُمي بـ«داء الشهيلي»، الذي كان يتسبب في الإرهاق والعصبية وتعطيل العمل الإداري. كما أحرقت هذه الرياح محاصيل كاملة من الحبوب في يوم واحد، ما أدى إلى مجاعات وأزمات غذائية متكررة، ورسخت صورة الريح كقوة قاسية لا تُقاوَم.
رغم الصورة الشائعة عن الجزائر كبلد حار، إلا أن بعض فصول الشتاء كانت قاسية بشكل استثنائي. ففي عامي 1945 و1954، شهد شمال البلاد عواصف ثلجية عنيفة، كان العامل الأخطر فيها هو الرياح القطبية القوية.
في فبراير 1954، ضربت رياح باردة مصحوبة بتساقطات ثلجية كثيفة مناطق واسعة من الشمال، خاصة جبال جرجرة والونشريس. عُزلت قرى بأكملها، ونفقت أعداد كبيرة من الماشية، وازدادت معاناة السكان الريفيين الذين كانوا يعيشون أصلًا في ظروف اجتماعية صعبة.
ساهمت هذه الظروف القاسية في تعميق الأزمة الاجتماعية، وشكلت أحد العوامل التي غذّت حالة السخط والاحتقان خلال تلك المرحلة التاريخية الحساسة.
في 10 نوفمبر 2001، شهدت العاصمة الجزائر واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية في تاريخها الحديث. ورغم أن الأمطار الغزيرة كانت في الواجهة، فإن الرياح العنيفة لعبت دورًا حاسمًا في تفاقم المأساة.
تشكلت خلية رعدية شديدة فوق البحر الأبيض المتوسط، ودُفعت نحو العاصمة برياح قوية تجاوزت سرعتها 120 كلم/سا. اقتلعت الرياح الأسطح والأشجار، وعرقلت وصول فرق الإنقاذ إلى حي باب الوادي الذي غمرته السيول في دقائق.
أسفرت الكارثة عن أكثر من 700 ضحية، وكشفت هشاشة النسيج العمراني أمام الظواهر المناخية المتطرفة، وخلّفت جرحًا عميقًا في الذاكرة الوطنية.
في السنوات الأخيرة، عرفت الجزائر عواصف رملية غير مسبوقة، خاصة في عامي 2021 و2022. فقد حملت رياح قوية كتلًا هائلة من الغبار الصحراوي، غطت مساحات شاسعة من البلاد، وامتدت آثارها إلى خارج الحدود.
شوهدت سحب الغبار من الفضاء، ووصلت جزيئاتها إلى أوروبا وحتى قمم جبال الألب. داخل الجزائر، تسببت هذه العواصف في غلق المطارات، وحوادث مرورية جماعية على الطريق السيار شرق–غرب، وانقطاعات واسعة في الكهرباء، لا سيما في الجنوب.
تعكس هذه الظواهر الحديثة تأثير التغيرات المناخية، وتنذر بتزايد شدة الرياح وتكرار الكوارث المرتبطة بها في المستقبل.
من إعصار أنقذ مدينة الجزائر في القرن السادس عشر، إلى عواصف رملية تشل البلاد في القرن الحادي والعشرين، ظل الريح عنصرًا فاعلًا في تاريخ الجزائر. فقد كان أحيانًا حارسًا، وأحيانًا أخرى قوة مدمرة، لكنه في كل الأحوال شكّل جزءًا لا يتجزأ من المسار التاريخي للأمة، مذكرًا بأن الطبيعة في الجزائر لم تكن يومًا مجرد خلفية للأحداث، بل شريكًا حقيقيًا في صنع التاريخ.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie