
كنت دائما أقول إن الذين يزايدون في الوطنية ويبالغون في ادعائها لفظا وقولا هم في الغالب أقل الناس إيمانا بها، كما أن المغالين والمزايدين على الناس في أمور الدين والمتنطعين في المسائل الشرعية هم أكثر من تسقط حسناتهم بالمنّ على العباد وربما حتى على رب العباد، من أنهم أكثر عبادة للخالق من غيرهم. وحتى الذين يزايدون في الجهاد أثناء ثورة التحرير الوطني نجدهم غالبا من المجاهدين المزيفين أومن أولئك الذين لم يلتحقوا بالثورة إلا عندما بدأت تلوح بشائر النصر.. فكل الناس بالنسبة إلهيم خونة أو جبناء، وكل شخص عداهم مشكوك في جهاده، في الوقت الذي يلوذ المجاهدون الحقيقيون بالصمت، ويرسم الكبار منهم ابتسامات على دعاوى الأعياد وكذب المزايدين.. فالمسألة مسألة تعويض في الغالب. فمن ينقصه أمر من هذه الأمور ادعى امتلاكه بل ونازع الناس فيه.. والمزايدة والإدعاء تتعدى المسائل التي تحدثنا عنها إلى مسألة الإنتماء.. حدث مرة حين كنت أشتغل بولاية داخلية أن قدمت إلى العاصمة مع صديق لي على متن سيارة تحمل ترقيم الولاية المعنية، وقع لنا حادث طفيف مع سيارة تحمل ترقيم العاصمة، نزل صاحب السيارة وراح يتعنتر ويقول كلاما سوقيا سخيفا، من جملة ما قاله لصديقي الذي كان يقود السيارة: بما أنكم لا تعرفون السياقة في العاصمة فلماذا تجيؤونها أصلا؟ وراح يعدد مساوئ الولاية التي جئنا منها. التزم صديقي بهدوئه، وهو بالمناسبة فنان وأخ لممثل معروف، وأثبت لخصمه أنه هو الظالم، لكن هذا الخصم تمادى في إيذائه وإلحاق كل الصفات البذئية به.. وهنا توقفت سيارة الشرطة، ولدى استظهار الوثائق تبين أن صديقي الفنان مولود بالجزائر العاصمة وأن خصمه من مواليد ولاية أخرى مجاورة. أصيب بخزي كبير وقال له صديقي ليخفف عنه.. لا عليك، هذه عاصمة البلاد لكل الجزائريين، فقط لا تدعي مرة أخرى أنك أفضل من الآخرين، ولأن هذه النفسية ليست خاصية جزائرية أو ماركة محلية بحتة.. هانحن نشاهدها عند المرشح للرئاسيات الفرنسية، نيكولا ساركوزي، بالمزايدة على اليمين المتطرف في كره الأجانب والإستعداء عليهم والدعوة إلى ترحيلهم من فرنسا والحد من استقبالهم على الأراضي الفرنسية، ويشير للعرب والمغاربيين خصوصا والجزائريين على وجه التحديد بكراهيته هذه، فالكلام الذي يقوله في حقهم لم يتفوه به جون ماري لوبان، زعيم الجبهة الوطنية، ولا ابنته من بعده، لا لشيء إلا لأن ساركوزي لديه عقدة نقص ويعلم أن الفرنسيين يدركون جيدا أنه ليس فرنسيا، فيريد التعويض على ذلك بالمزايدة والإدعاء الذي يذهب ضحيتهما المغاربيون دون سواهم من بني البشر..
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : سليمان جوادي
المصدر : www.al-fadjr.com