الجزائر - Revue de Presse

حي "السانتيف".. قرية نائية وحياة بدائية في قلب العاصمة



حي
تعيش أزيد من 130 عائلة في حي "السانتيف" بقاريدي، المتواجد ضمن تراب بلدية القبة بالجزائر العاصمة حياة صعبة لاتحتمل، حيث يتخبط هؤلاء في قسوة مشاكل الحياة منذ ستينيات القرن الماضي، من غياب أبسط شروط العيش الكريم في ظل انعدام الغاز، الماء وعدة نقائص أخرى لاتقل عن الكرامة الإنسانية، ويتعايش سكان الحي مع عدة أمراض خطيرة من ضيق للتنفس والحساسية وكل ذلك ترتب عن الروائح الكريهة المنبعثة من الأوساخ والترنيت، ناهيك عن الغازات والفضلات المنبعثة من الثكنة المحاذية للحي القصديري، بالإضافة إلى الضيق الذي تعاني منه جل العائلات، والذي عمق من شدة المعاناة الإجتماعية وسط الحي، وزادت المسالك الوعرة الوضع تأزما خصوصا وأن المتجول بالحي يخال له وكأنه في قرية نائية تبعد عن العاصمة والحضارة بمئات الكيلومترات، ليبقى حلم سكان الحي الوحيد هو الحصول على سكن مريح.
توجه "السياسي" خلال جولتها الميدانية للحي القصديري كشفت المستور، فمن الوهلة الأولى وولوجنا للحي عبر مسالكه الصعبة لم نستطع التصديق أننا في وسط العاصمة، وظننا أننا في منطقة نائية خاصة مع تواجد تلك القطعان من المعز والأبقار في وسط الحي جنبا إلى جنب معنا، ومع السكان الذين تأقلموا مع وجودها.
وأفصح السكان أن هذه المنطقة كانت عبارة عن مزرعة سكنها الفلاحون والمجاهدون منذ الحقبة الاستعمارية، إذ لا يزال أبناؤهم ينتظرون متى يفي المسؤولين بوعودهم، وهذا ما قاله لنا عمي"خوجة"، لا زلنا ننتظر تجسيد الوعود للإستفادة من السكن، لأننا سئمنا من هذا العيش.. لقد أخدنا التقاعد فوق تراب هذا الحي بسبب المعاناة".
"ميزيرية"الضيق وانعدام الإنارة زادا الأمر تعقيدا
كشف سكان هذا الحي الفوضوي، عن المعاناة الكبيرة واليومية التي يعيشونها منذ سنوات ويتصدرها الضيق الذي أزم وضعيتهم، بالإضافة إلى انعدام ضروريات عديدة كالغاز، ونقص الماء الشروب الذي استفادوا منه منذ ثلاثة سنوات فقط، ويذكر عمي خوجة في هذا الشأن أنه يعيش مع عائلته المتكونة من 12 فردا في بيت متكون من غرفتين، ما أجبر معظم أولاده على عدم إتمام نصف دينهم ما عدا ابن الذي تزوج في سن 45، ولا يزال الباقون ينتظرون دورهم، فأصغرهم يبلغ من العمر 33 سنة، ليختم كلامه قائلا: "لقد كنا ننام بالدور". ويضيف في نفس السياق عثمان قاطن بنفس الحي، أن أكبر بيت هنا يحتوي على غرفتين، لأنهم لم يسمحوا لنا ببناء مساكن إضافية، على الرغم من عدم ترحيلهم لنا إلى منازل لائقة، فنحن ننام بالدور عندما ينهض أحدنا يعوضه الثاني وينام مكانه، مضيفا في نفس السياق أنهم حوموا من أبسط الحقوق والمتمثلة في النوم الهنيء وعدم تمكن معظمهم من الزواج إلا بعد فوات الأوان.
هذه المعاناة ليست إلا جزءا بسيطا من "الميزيرية" اليومية التي يتجرعونها، ناهيك عن عدم توفر منازلهم على الغاز وهو مايجبرهم على الإنتظار مدة طويلة للفوز بقارورة غاز البوتان والماء الذي حرموا منه لستين سنة قضيت في أكواخ من الترنيت، غير مناسبة للعيش في زمن التطور والعصرنة وهذا ماذكره "بلال" الذي وصف حيه "بالدشرة" مادامت حتى الإنارة الخارجية منعدمة في موقع يتوسط العاصمة، وهو ماحرمنا من الخروج ليلا رغم أن البلاد عرفت نوعا من الرقي.
مسالك حيهم الوعرة تعزلهم
ساهمت مسالك حي "السانتيف" القصديري، التي تشهد حالة من الإهتراء والمنحدرات الصعبة في زيادة معاناة السكان خاصة خلال فصل الشتاء وعند سقوط بعض الأمطار مما يحرم السكان الخروج من بيوتهم والتنقل بكل راحة إلا باستعمال الأحذية البلاستيكية، فقد جعلت هذه المسالك أبناء الحي يعيشون في عزلة تامة، وهذا ما بينه لنا أحد أبناء الحي الذي قال "لا تستطيع أي سيارة الصعود إلى المنازل بفعل المنحدرات الصعبة، وهذا مايحدث لنا مع شاحنة الغاز التي ترفض التوقف على مستوى الحي بسبب صعوبة المسالك المؤدية إليه، والأدهى ما في الأمر هو رفض سيارة الإسعاف الدخول إلى المنازل في حالة وقوع أي حادث، مايستوجب علينا إنزال المريض إلى الأسفل من أجل نقله أو إسعافه. وبكل مرارة يختم كلامه "نحن نعيش خارج الكرة الأرضية ".
الحساسية ..الربو..الجرذان ..الغازات أين المفر
تحاصر الأوبئة والأمراض التنفسية أبناء الحي من كل الجهات، فمعظم القاطنين على مستواه يعانون من الحساسية جراء مادة الأميونت والمحيط غير الصحي والرطوبة العالية التي تزداد حدتها في فصل الصيف والبرودة الشديدة في الشتاء، ناهيك عن تواجد الجرذان الناموس وانبعاث الغازات وبعض الروائح الكريهة، بسبب محاذاة الحي لمكان رمي المهملات التابع للثكنة، وهو المشكل الذي أثار امتعاض القاطنون الذين يقولون في هذا الشأن بأن الغازات المنبعثة من هذه الثكنة زادت من انتشار الأمراض التنفسية لقربها من المنازل، وكم من مرة طلبنا من السلطات المعنية تغيير مكان رمي الفضلات، إلا انهم قابلوا هذا الطلب بالرفض ما زاد من معاناتنا، ويذكر نفس المتحدث في سياق ذي صلة أن عائلته المتكونة من خمسة أفراد، كلها تعاني من الحساسية، وقد أبدى أبناء الحي تخوفهم الكبير من الأخطار التي تحدق بهم من كل جانب خاصة من جانب الثكنة، ويقول عبد القادر أنه في إحدى الأيام سقطت رصاصة أمام رجل طفل لهذا لم نعد نترك الأطفال يلعبون وسط الحي، ولقد زادت الجرذان من معاناتنا الكبيرة، وذلك باعتدائها في الشهرين الأخيرين على عشرة أطفال تم نقلهم إلى المستشفى.
خالتي جميلة عنوان الشقاء
أثناء الجولة التي قامت بها "السياسي" في هذا الحي، التقينا بخالتي "جميلة" التي تصارع مصاعب الحياة بمفردها، وهي التي تكفل ابنتها المعوقة وزوجها حبيس الفراش منذ مدة طويلة، حيث فتحت لنا قلبها وقالت في هذا الخصوص: "إن ابنتي البالغة من العمر إحدى عشر سنة معوقة ووالدها أقعده المرض، أنا في حيرة من أمري، هل أذهب للعمل أم اعتني بمنزلي؟، لقد طلبت مني الطبيبة تغيير مقر سكني، بما أن ابنتي لا تستطيع العيش في بيت قصديري جراء الترنيت والرطوبة التي عقدت حالتها الصحية، وتذكر في نفس السياق أنها لم تترك أي مكان وقصدته من بلدية أو دائرة، لكن الكل يطلب منها الإنتظار في كل مرة.
أبناء الحي "نكون شرعيين إلا في الانتخابات"
أثقلتهم الظروف الكارثية التي يعيشونها منذ مدة ليست بالهينة، وهم كلهم أمل خاصة عندما يزورهم أحد المسؤولين أملا في الفرج، وهذا ماذكره أحد أبناء الحي القدامى أنه في كل مرة يأتي مسؤول ويقوم بإحصاء العائلات، إلا أنه لا جديد يذكر حتى اليوم، فهم يعترفون بنا إلا في أيام الانتخابات، وكلما طالبنا بسكن اجتماعي يقولون لنا أنتم غير شرعيينّ، ويضيف متحدث آخر: "لقد مللنا من الوعود، فمند سنوات زارتنا رئيسة البلدية وكشفت بأنها ستمنحنا هذه السكنات الجاهزة التي تتواجد بالقرب منا، لكن بعد مدة لم نحصل عليها وتحصل عليها أناس آخرين، فنحن لا نكون رسمين إلا في الانتخابات"، وهم يريدون أن تنظر إليهم السلطات المعنية لإخراجهم من هذا الشقاء الذي يتخبطون فيه منذ سنوات.
في إنتظار الحل...
عصفت بهم المعاناة من كل جانب وتركتهم يتذوقون كل أنواع الشقاء من أمراض وعزلة وضيق، حولت هذه السلبيات حياتهم إلى كابوس دام نصف قرن ولا ينتهي إلا بظفر هؤلاء على بيت، أين يضمنون عيشا كريما لهم ولأبنائهم، هؤلاء لا يهمهم أين يأخدونهم كما قاله لنا أحد أبناء الحي فالمهم في هذه الآونة أن يتم ترحيلهم إلى أي مكان ولو كان إلى الجنوب فإنهم سيذهبون.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)