حكم الربا
أصل الربا أن أهل الجاهلية كانوا يزيدون في الدّيْن عند حلول أجله، وبمجيء حُرّم الربا، وورد التحريم في نصوص القرآن الكريم وإجماع العلماء، ومن استحلّه خرج من ملّة الإسلام، فمن أنكر أمراً أجمع العلماء عليه إجماعاً ظاهراً عُدّ كافراً، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافرٌ بالاتفاق"، ومن الأدلة الواردة في تحريم الربا قول الله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، كما رُوي عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- أنه قال: (لعَن آكِلَ الرِّبا وموكِلَه وشاهدَيْه وكاتبَه).
تعريف الربا
تعريف الربا لغةً
يعرّف الربا في اللغة بأنه الزيادة، فيقال: أربى فلانٌ على فلان؛ أي زاد عليه، ورَبا الشيء؛ أي زاد عن الأصل الذي كان عليه، فهو يربو ربواً، ويقال للمنطقة المرتفعة عن الأرض وغير المستوية مع الأرض رابية؛ بسبب عظمها وارتفاعها، ويقال: فلانٌ في رباوة قومه؛ أي إنه صاحب رفعةٍ وشأنٍ في قومه، والأصل في الربا الأناقة والزيادة.
تعريف الربا اصطلاحاً
عرّف الفقهاء الربا بعدّة تعريفات؛ فقال كل من والشافعية بأنه العقد الذي يتمّ على عِوضٍ مخصوصٍ دون علم التماثل في معيار الشرع عند العقد، أو بتأخير كلا أو أحد العوضين، وعرّفه بأنه الفضل الخالي عن العوض بمعيارٍ شرعيٍّ بشروطٍ لأحد المتعاقدين في المعاوضة، وعرّفه الحنابلة بأنه الزيادة في أشياءٍ مخصوصةٍ.
أنواع الربا
يتفرّع الربا إلى نوعين، بيانهما فيما يأتي:
- ربا الديون: ويقصد به الزيادة في الدّيْن مقابل الزيادة في الأجل والمدّة، وهو النوع الذي حُرّم بنص ، وهو ما كان شائعاً في الجاهلية، وهو النوع المشهور من أنوع الربا، وأشدّها وأخطرها.
- ربا البيوع: ويقصد به بيع الأموال الربوية بعضها ببعض، وتشمل: الفضة، والذهبن والبر، والتمر، والملح، والشعير، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا سَواءً بسَواءٍ، والفِضَّةَ بالفِضَّةِ إلَّا سَواءً بسَواءٍ، وبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَبِ كيفَ شِئْتُمْ)، ويتفرّع ربا البيوع إلى نوعين؛ هما:
- ربا الفضل: ويقصد به الزيادة في أحد العوضين عن الآخر عند بيع مال ربوي بمالٍ ربويٍّ آخر، على أن يكونا من جنسٍ واحدٍ، مثل بيع الفضة بالفضة مع الزيادة في أحدهما؛ فلا يجوز ذلك البيع إلا إن كان كلا العوضين متماثلين، وأي زيادةٍ تطرأ على أحدهما جعل البيع محرّماً.
- ربا النسيئة: ويقصد به التأخّر في قبض أحد العوضين في بيع الأموال إن اتّحدا في العلة، فيجوز التفاضل في بيع الذهب بالفضة على سبيل المثال، أو الفضة بالذهب، أو عملة بعملةٍ أخرى، وتجوز الزيادة ويجوز النقص في العوضين، ولكن العلة أن يتمّ التقابض في مجلسٍ واحد.
الحكمة من تحريم الربا
تترتب على الربا العديد من المضارّ الاجتماعية والاقتصادية، وفيما يأتي بيان عددٍ منها:
- انتشار التعامل الاستهلاكية، وهي القروض التي يأخذها أصحاب الدخل المتوسّط أو المعدوم بغرض سداد حاجاتهم والخروج من الضوائق الواقعين بها، إلا إن الفوائد المترتبة عليها كبيرةٌ جداً، مما يؤدّي إلى تمكين أصحاب الأموال من الاستبداد وأصحاب الحاجات، وقد يؤدّي أيضاً إلى سلوك الطرق السيئة وارتكاب الجرائم المختلفة، والتقليل كذلك من الكفاءات والنشاطات البدنية والذهنية، وذلك كله يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد، فالمرابي بترتيبه للفوائد الربوية على القروض يسلب القوة الشرائية من المقترض، أي إن البضائع تتكدّس وتتوقّف حركتها.
- تربية المرابي على والشحّ وعدم الإنفاق، وتحجّر وقسوة قلبه، وعدم مساعدة أحد لغيره، بل وعدم تقدميها إلا مقابل مصلحة ما، وانعدام التعاون بين أفراد وطبقات المجتمع، وتفكّكها وتشتّتها.
- ازدياد نسبة البطالة في المجتمعات، والتقاعس عن العمل واستغلال القدرات والطاقات، فالمرابي يتقاعس عن العمل النافع المفيد للمجتمع والأفراد، وبالتالي انعدام فرص العمل.
- انعدام وجوه وأبواب الخير بين المسلمين بانعدام القرض الحسن، وانتشار الربا والاعتماد عليه، فينعدم عن المسملين، فالمرابي يصعّب إعطاء القروض الحسنة لغيره، وقد وردت عدّة أحاديث في فضل تنفيس الكروب والهموم عن المسلمين، منها قول عليه الصلاة والسلام: (مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ).
- نشر العدواة والبغضاء بين المسلمين، والتسبّب في القطيعة والفتنة فيما بينهم.
خطورة الربا
تترتّب على الربا العديد من المخاطر، وفيما يأتي بيان البعض منها:
- نيل العقوبة المترتّبة على في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى- في وصف آكل الربا : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، وقال ابن كثير مفسراً الآية: "أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبّط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً"، وقال : "آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يُخنق".
- يعدّ الربا من الموبقات السبع التي تُلحق غضب الله بمرتكبها وتوبقه، إضافةً إلى ما يسبّبه من الأضرار والمخاطر بالمجتمع المسلم، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا)، كما يدلّ الحديث على أن الربا من والخطايا.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : mawdoo3
صاحب المقال : طارق محمد
المصدر : www.mawdoo3.com