
تُظهر الوثيقة محلّ الدراسة جميع الخصائص التي تُميّز الفرمان العثماني، أي المرسوم الرسمي الصادر عن سلطان الدولة العثمانية أو المُعلن باسمه من طرف الديوان السلطاني. وكانت هذه المراسيم تمثل أعلى درجات التعبير عن السلطة السياسية والقانونية داخل الإمبراطورية، التي كانت إيالة الجزائر جزءًا منها منذ القرن السادس عشر حتى سنة 1830.
إن التحليل الأسلوبي والخطي والدبلوماسي يسمح بتأكيد هذا التوصيف وتحديد أهميته التاريخية.
الزخرفة الدائرية الذهبية الكبيرة في أعلى الوثيقة تمثل صيغة مهيبة من الطغراء، وهي التوقيع الخطي الرسمي للسلطان العثماني.
لم تكن الطغراء مجرد عنصر زخرفي، بل كانت علامة التصديق العليا للمرسوم. وكان لكل سلطان طغراء خاصة به، مصممة انطلاقًا من اسمه وألقابه الرسمية.
في هذه الوثيقة، تبدو الزخرفة غنية ومتقنة:
استعمال مكثف للذهب والتذهيب
إطار نباتي مزخرف
عنصر مركزي قد يرمز إلى زهرة التوليب (الخزامى)، وهي رمز ارتبط بالثقافة العثمانية، خاصة خلال ما عُرف بـ«عصر التوليب» في عهد أحمد الثالث
ويشير هذا الطابع الفني إلى أن الوثيقة ذات أهمية إدارية أو دبلوماسية عالية.
النص مكتوب بالتركية العثمانية (اللغة التركية بالحروف العربية)، ويرجح أنه بخط الديواني، وهو الخط المعتمد في المراسلات الرسمية للديوان السلطاني.
ويتميز هذا الخط بـ:
تلاحم الكلمات وتقارب السطور
انحناءات صاعدة في نهايات الأسطر
تركيب معقد يصعب تزويره
وكان يُستخدم حصريًا في الوثائق الرسمية مثل التعيينات، الامتيازات، الإقطاعات، والقرارات المالية.
وجود أرقام أو إشارات مرقمة في الهامش الأيمن (غالبًا باللون الأحمر أو البني) يدل على تنظيم النص في فقرات أو بنود مستقلة. وهذا النمط شائع في:
مراسيم التعيين في المناصب الإدارية (باي، آغا، حاكم)
منح الإقطاعات (تيمار)
تثبيت ملكيات أو أوقاف
منح امتيازات ضريبية أو تجارية
وفي السياق الجزائري، قد يكون الأمر متعلقًا بقرار إداري يخص أحد بايلكات إيالة الجزائر.
تظهر في أسفل الوثيقة عدة أختام دائرية تشير إلى مصادقة كبار المسؤولين أو الوزراء (الوزراء أو الولاة).
في الإدارة العثمانية، كان الفرمان المهم يمر عبر مراحل متعددة من التدقيق والمصادقة قبل ختمه وإرساله. وكانت هذه الأختام تمثل ضمانًا لصحة الوثيقة ووجوب تنفيذها.
توجد في أسفل الوثيقة كتابات بالحروف اللاتينية أضيفت لاحقًا، وتحمل أسماء ذات أصول فلمنكية أو هولندية، مما يدل على أن الوثيقة دخلت في وقت لاحق ضمن مجموعة خاصة أوروبية خلال القرن التاسع عشر.
وقد كان من الشائع أن تنتقل المخطوطات العثمانية إلى أوروبا عبر بعثات دبلوماسية أو اقتناءات خاصة أو إرث تجاري مرتبط بالعلاقات بين الدولة العثمانية وأوروبا.
أصبحت الجزائر جزءًا من الدولة العثمانية ابتداءً من سنة 1516، واستمرت تحت السيادة الاسمية للسلطان حتى الاحتلال الفرنسي سنة 1830.
وعليه، يمكن أن يكون لهذا الفرمان ارتباط بأحد الأمور التالية:
كانت الجزائر العثمانية مقسمة إلى بايلكات. وقد يكون الفرمان متعلقًا بـ:
تعيين باي جديد
تنظيم الشؤون الجبائية
إدارة أراضٍ أو ممتلكات زراعية
عرفت موانئ الجزائر ووهران نشاطًا تجاريًا واسعًا مع أوروبا. وقد يكون الفرمان:
تصريح مرور
امتيازًا تجاريًا
ضمان حماية لتجار أوروبيين
شهدت مدينة وهران تاريخًا متقلبًا بين السيطرة الإسبانية والحكم العثماني. وبعد استرجاعها سنة 1792، أُعيد دمجها بالكامل في التنظيم الإداري لإيالة الجزائر.
يمثل هذا الفرمان:
دليلًا ماديًا على التنظيم السياسي قبل الحقبة الاستعمارية
شاهدًا على السيادة الإدارية العثمانية في الجزائر
نموذجًا رفيعًا لفن الخط والزخرفة الإسلامية
ولا تقتصر قيمته على البعد الفني، بل يحمل أيضًا قيمة قانونية ودبلوماسية، إذ يعكس آليات عمل دولة منظمة ذات هرم إداري واضح وعلاقات دولية قائمة.
وبالنسبة لتاريخ الجزائر، فإن مثل هذه الوثيقة تؤكد أن البلاد كانت تمتلك نظامًا إداريًا وماليًا ودبلوماسيًا قائمًا ومؤسسًا قبل الاحتلال الفرنسي.
مضاف من طرف : patrimoinealgerie
صاحب المقال : Rédaction