الجزائر - Revue de Presse

”الفجر” تخترق الحدود المالية وتتوغل في ”كولومبيا الأفارقة”



”الفجر” تخترق الحدود المالية وتتوغل في ”كولومبيا الأفارقة”
تجارة ”بيع البشر” تنتعش في مالي
لم يستطع مرافقنا المالي أن يقود سيارته بعد لحظات من إطلاق عيارات نارية في أحد المحلات، فقد أمرنا بالصعود إليها وخطى خطوتين، قبل أن يتوقف ليفتح الباب ويتركنا داخلها على بعد أمتار فقط من موقع الحادث، وفر هاربا دون أن يوضح لنا الموضوع أو يعطينا فكرة عما حدث، ولكننا شعرنا بالخطر وعلمنا أننا في مأزق حياة أو موت، وحتى الاتصال لطلب النجدة مستحيل في هذه البقعة التي يفضلها ”تجار البشر” لارتكاب عمليات الاختطاف، ولم نكن واثقين من مدى تنكرنا وإقناعنا لهم أننا مواطنون ماليون، وأحسسنا لوهلة أننا تحت رحمتهم وفي أحسن الأحوال لن نخرج من ”الخليل المالية”، التي دمرتها المعارك المتتالية، إلا في صناديق خشبية.
لم يكن يخفى عنا حجم الخطر الذي أقحمنا أنفسنا فيه، ولا درجة المجازفة التي قمنا بها ونحن نتوغل في الصحراء جنوبا نحو الحدود المالية، ولكن رغبتنا في كسر حاجز الخوف وركوب المغامرة التي قد لا يفهمها عقل رزين، قادنا إلى تجاوز بعض التحذيرات والتكتم على دخولنا ”مالي” متنكرين، رغم أننا خيبنا أمل كثيرين ممن حاولوا ردعنا عن هدفنا، واجتهدوا في ذلك لضمان سلامتنا، ومع تقديرنا للوضعية التي كنا عليها وبأننا صيد ثمين يصل إلى الملايير، فقد أصررنا على رفع التحدي وإن كانت الدماء قد جفت في عروقنا ونحن نكتشف أننا بلغنا ”الخليل” بوابة الموت، وكدنا نفقد صوابنا بعد سماعنا للرصاص ونحن في قلب قاعدة الأزواد ومعقل جميع التنظيمات المسلحة. ومع ذلك واصلنا ركوب المغامرة وتجولنا في أراضي أتعبتها عمليات الكر والفر وتعرضنا للملاحقة وشعرنا كما نشعر من قبل برهبة الموت.
نصف ساعة مميتة في بوابة الموت ”الخليل”
لا مجال للتراجع أو التردد عن خطة دخول معاقل التنظيمات المسلحة المختلفة الإيديولوجيات من ”القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي” و”الجهاد والتوحيد” و”أنصار الدين” وغيرها، وسماعنا لأخبار انتشار كل أنواع المافيا وقطاع الطرق لم يضعف من شدة حماسنا، فهناك احتمال معاينة كل ذلك بمجرد اتخاذ القرار، وتكون بذلك أولى مراحل دخول مالي بعد دقائق قليلة، وكان لنا ذلك وغادرنا الحدود الجزائرية الآمنة نحو المجهول، بعد اجتياز مسالك وعرة بالصحراء التي لا يعرف تفاصيلها إلا الراسخون في الرمل، ممن تعودوا المرور منها منذ نعومة أظفاره، وبدأت معالم الأراضي المالية في ظرف قياسي تتكشف لنا، وبدأت معها دقات القلب تزداد شدة..
نعم؛ لقد دخلنا ”الخليل”، أخطر منطقة في مالي لأنها حدودية مع الجزائر وتحرص جميع التنظيمات على التواجد بها والسيطرة عليها.
وبدت لنا من بعيد موحشة رغم تواجد الناس بها والذين يشتغلون أشغالا شاقة والكل يسمّر عيونه على السيارات المارة عبر الشارع الرئيس الذي تركت حركة الأزواد بصماتها عليه من خلال علمها الذي يرفرف على البنايات المحيطة به، وكذا اسم الحركة المكتوب على الجدران بكل اللغات، ومعها المقاتلون الذين يمرون عبره دون إخفاء هوياتهم، وفهمنا أنها الحركة الوحيدة التي تحظى بالحرية في الدفاع عن مواقفها دون حرج.
كنا قد مكثنا خمس دقائق فقط نتأمل المنطقة التي قيل لنا إنها خطرة ولا يؤتمن فيها أحد حتى سمعنا صوت طلق ناري، وشاهدنا الدليل الذي رافقنا في جولتنا يخرج من أحد المحلات ويهرول باتجاه السيارة ويطالبنا بالصعود بسرعة، وابتعدنا من المنطقة قليلا ليغير رأيه ويفتح الباب ويتركنا لوحدنا في وسط الشارع، اضطررنا أمام هذا المشهد الهوليوودي إلى تغيير الشارع الرئيسي بعدما فقدنا الأمل نهائيا في النجاة واقتنعنا أن الوقت حان للتفكير في كيفية الخلاص من المشكل، خاصة أن جهلنا للمنطقة أربكنا وكدنا نفضح أمرنا، ولحسن الحظ لم تصدق توقعاتنا ولم يصبنا أي مكروه، رغم أن الهدوء الذي تتسم به المنطقة لا يزال يثير فينا الهلع وكأنه يمهلنا بعض الوقت فقط قبل أن يفاجئنا بالأسوأ، واستطعنا استجماع قوانا والعودة إلى التجول في أرجاء المدينة القديمة ليس لأننا تجاوزنا الرعب ولكن مكوثنا في مكان واحد سيلفت الانتباه إلينا، كما أن موعد عودة مخلّصنا من هذا الكابوس لن يكون في أقل من نصف ساعة، كانت الثلاثين دقيقة قاسية علينا وكدنا فيها أن نندم على اتخاذنا القرار منذ البداية.
أكثر من 3 ملايير سنتيم ثمن الأجنبي، والرقم قابل للارتفاع بحسب منصبه
يخطط عدد لا بأس من الماليين وحتى الجزائريين في كيفية لاختطاف الأجانب من غير الماليين، حيث يدخل الجزائريون في خانة الفرائس المطاردة، ولكن أولائك الذين يتقلدون مناصب هامة في الدولة أو يحظون بالشهرة أو أصحاب الثروة دون المساس بالمنتمين إلى القبائل الصحراوية خاصة القوية منها، لأن الأمر قد يأخذ مسارا آخر، ويعملون على بيع ضحاياهم إلى التنظيمات المسلحة ويختارون من يدفع أكثر وتصل المبالغ إلى أزيد من 3 ملايير، وهي التجارة التي يحبذونها كونها تدر عليهم الأرباح التي لم يكونوا ليحلموا بها في حياتهم، ومنهم من يكتفي بترصد الأجانب ويقوم ببيع المعلومات بالملايين، وهي أيضا معلومات غالية، وفقط قادة التنظيمات في مالي يعرفون أهميتها، فهم يغدقون حامليها بالأموال الطائلة لتشجيعهم على إمدادهم بها.
وتزداد هذه التجارة انتعاشا شهرا بعد آخر بسبب الأوضاع الكارثية التي تتواجد عليها كل بقعة في مالي خاصة في غاو، كيدال وتمبكتو، وفي مالي كل شيء قابل للبيع. وتجارة البشر أكثر تجارة رائجة. ولكنها استجدت بفعل سياسة الاختطافات ودفع الفديات، وتجد اغلب هؤلاء يتمركزون في مداخل مالي في جهته الشمالية ومنها ”الخليل”، وهي البوابة المفضلة للجزائريين خاصة وأنها قريبة من الحدود ولا تبعد عن برج باجي مختار إلا ب15 كلم فقط، وكانت فيما مضى قبلتهم حيث يعقدون فيها تجارتهم المعروفة بتجارة المقايضة والخاضعة للقوانين الوطنية.
الخاطف في مالي..
مجرم وحامي حمى أيضا
قد يستغرب كثيرون إذا علموا أن الماليين الذين يقضون الليالي يخططون لاختطاف الأجانب، ولا يجدون حرجا في تسليمهم لزعماء التنظيمات المسلحة الذين من الممكن أن يغتالوهم في أي لحظة ويشاركونهم بذلك جريمتهم في حق الأبرياء، هم أيضا أصحاب نخوة إذا تغلبت فيهم الرجولة وأيقظت فيهم مشاعرهم الإنسانية التي دفنتها الظروف القاسية التي أجبروا على التعايش معها، كما يمكن أن يكونوا هم المدافعون عن الضحايا، وهو شيء لمسناه في قلب الخطر وتلقينا مساعدة من شخص حذر رفقاءه من الاقتراب منا قائلا لهم ”أن أولادا يلعبون في وسط المدينة وأرجو عدم إزعاجهم”، وكان يقصدنا، واستشاط غيظا عندما علم أن أحدهم أطلق الرصاص، والأمر كله مرده إلى أهوائهم، فهم أصبحوا في السنوات الأخيرة أشداء، لكن ذلك لم يمنع عنهم طبيعتهم التي جبلوا عليها، وحسب أحد الماليين الذين تحدثنا إليه فإن الجزائريين أقرب الناس إلى الماليين وأحبهم إلى قلوبهم لأنهم خيّرون وتجمعنا معهم علاقات كثيرة ومنها النسب والقرابة.
ومع كل الخطر الذي كان يحدق بنا في ”كولومبيا الأفارقة”، فكرنا في الاستعانة بأتباع حركة الأزواد، فقط تريثنا خشية عدم إصابتنا الهدف والوقوع في عرين الأسد ونكون بذلك قد قدمنا أنفسنا على طبق من فضة وإن لم نقل من ذهب، لمافيا قد تنقلنا إلى معاقل التنظيم مباشرة، وعلى العموم شعرنا بنوع من الحماية الإلهية مكنتنا من الخروج سالمين حتى مع المطاردة التي تعرضنا إليها قبل دخولنا الحدود الجزائرية، أصابتنا برضوض بسيطة، ونوعا من الصدمات اختتمت بهستيريا من الضحك وذكريات للحظات مخيفة رسخت في أذهاننا.
جزائريون أثرياء يتجاوزون تبعات الحرب لحماية تجارتهم
سارعت الجزائر إلى غلق حدودها مع مالي التي اشتعلت فيها الحرب الأهلية، ومنعت التجار من ممارسة نشاطهم في مقايضة السلع الجزائرية بالمالية كما تعودوا عليه لعشرات السنوات، وتأكد التجار أنهم فقدوا مصدر رزقهم بسبب الحرب الدائرة رحاها على بعد كيلومترات قليلة، ما جعلهم يبحثون عن وسيلة لمزاولتها دون التصادم مع مصالح الأمن، وتوصلوا إلى تفعيل أساليبهم المراوغة واستغلوا درايتهم الواسعة بأسرار الصحراء واستطاع كثيرون استعادة نشاطهم في مقايضة منتوج الماليين من المواد الغذائية الجافة كالفول السوداني والفواكه الاستوائية ومواد أخرى مهمة كالفحم الذي يعد مادة أساسية بالنسبة لسكان الصحراء الذين يستغلونه في إشعال النيران في قلب الصحاري، بغية شواء اللحم وإعداد الشاي الذي يعد أنيسهم الوحيد بعد الله. وذلك في مقابل مختلف المواد المستعملة في الحياة اليومية التي يجلبونها جميعا من الجزائر، وكنا قد اقتنينا مشروبا كتب على علامته التجارية ”صنع في الجزائر” وهو ما شجعنا على تناوله دون مخاوف للتعرض للتسمم. وكان أثرياء الجزائر قد أسّسوا إمبراطوريتهم في شمال مالي، وشيدوا بنايات فيها لضمان ترويج تجارتهم التي تكون غير شرعية في أغلب الوقت، والتي تعقد فيها جملة من الصفقات لتهريب كل أنواع المواد وحتى المخدرات والأسلحة. وحسب أحدهم فإن أاغلب هذه الصفقات تعقد شفهيا، وبسرعة البرق.
”جيزي” و”موبيليس تعمم خدماتها على سكان مالي
في جولتنا السريعة التي قمنا بها في شمال مالي، لفت انتباهنا محل لبيع شرائح الهاتف النقال، وقد كتب عليه ”جيزي وموبيليس”، وعلمنا بعد ذلك أن خدمة جيزي، وأيضا موبيليس ولكن بدرجة أقل، متوفرة في هذا المكان المعزول ويمكن إجراء اتصالات من مالي بمتعاملي الهواتف النقال المشهورة، وهو أمر يستغله الماليون في التواصل مع الجزائريين بأقل الأسعار، وبدورنا حاولنا استغلال الأمر في الاتصال إلا أننا صادفنا مشكلة ضعف الشبكة في ذلك اليوم.
أزيد من سبعة تنظيمات مسلحة تتصارع في مالي لإثبات تواجدها
تنشط في مالي أزيد من سبعة تنظيمات مسلحة تختلف كل واحدة عن الأخرى في منطلقها وإستراتيجيتها، لكن جميعها لا تتصارع مباشرة مع بعضها البعض، باستثناء الجيش النظامي الذي كان هو العدو المشترك قبل الإطاحة به، وذلك لكل من حركة الأزواد التي تسعى لتحرير إقليم الأزواد وإعلان استقلاله ومعها الاعتراف بها دوليا، وهي أكبر قوة في مالي حاليا، حركة أنصار الدين لزعيمها إياد آق غالي الذي انشق عن حركة الأزواد، وكان قنصل مالي في جدة، وهي حركة جهادية لا تقتصر أهدافها على دولة مالي فقط وإنما الجزائر والدول المجاورة، ”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بزعامة أبي علقم وهي أخطر التنظيمات للتجربة التي اكتسبتها مع الجيش الجزائري والموريتاني، المالي وحتى الجيوش الأوروبية، ”الجهاد والتوحيد” وهي تنظيم جديد يسعى إلى إثبات وجوده بعد تجاهله من تنظيم القاعدة، وهو خاطف القنصل الجزائري وأتباعه الستة، يضاف إلى هذه التنظيمات ما يعرف بالحركة العربية الإسلامية التي أعلنت عن نفسها مؤخرا وهدفها حماية مصالح العرب في إقليم الأزواد، ويضاف إلى كل ذلك بقايا النظام وأتباع الانقلابيين وآخرون لم يعلنوا عن أنفسهم بعد.
مبعوثة ”الفجر” إلى ”الخليل المالية”: حسيبة بولجنت


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)