الجزائر - A la une

الباحث في علم الإجرام بكندا صلاح الدين عباسي لـ''الخبر'' ''الوازع الديني بات لا يكفي لمواجهة الانتحار''



أجهزة الدولة مسؤولة عن توفير الدعم ووضع تدابير وقائية والتكفل بمحيط الشخص المنتحر في مقابلة أجرتها الخبر معه، يشرح صلاح الدين عباسي، باحث في علم الإجرام وعلم الضحية ومشارك في فريق البحث أرتا كندا ، ظاهرة الانتحار في الجزائر، ويجيب على أسئلة عديدة، عن أسبابها ودور المجتمع في مواجهتها.
ما هو الانتحار؟
الانتحار هو حل دائم لمشاكل مؤقتة، تدمير ذاتي نتيجة عوامل مختلفة، يهدف لإنهاء معاناة ضحاياه الذين نجدهم في كل الطبقات الاجتماعية، فهو عند الرجال مثله عند النساء، والأغنياء أكثـر منه عند الفقراء، وفي العالم الغربي والأماكن الباردة أكثـر منه في المناطق الفقيرة والدول النامية. ولكن هذه الظاهرة تجاوزت مراحلها البدائية، وأصبحت تخيّم على فئة الأطفال والفتيات. فواقع هذه الظاهرة في الجزائر لم ينتظر قانونا يشرّعه، وبات هاجس المواطن الجزائري والآباء خاصة. والأهم من ذلك أن أسباب الانتحار تغيّرت بتغيّر الزمن. فاليوم، يغذي الانتحار تنامي ظاهرة العنف المدرسي التي بالكاد نتكلم عنها وعن آثارها السلبية، لدى التلاميذ ولدى الطاقم المدرسي أيضا، وبالكاد أيضاً نطرح العلاقة بين الظاهرتين (العنف المدرسي والانتحار) في الجزائر، بينما تعدّ من أهم مواضيع علم الإجرام في العالم الغربي. أضف إلى ذلك أن من أسباب الانتحار تنامي العنف الإلكتروني الذي تعج به المواقع الاجتماعية وغيرها من المواقع، والألعاب الإلكترونية غير المراقبة، بالإضافة إلى ذلك ما تثيره المسلسلات المدبلجة من أحلام يقظة مخالفة تماما للواقع، أقل ما يقال عنها إنها خيالية ملهمة لرغبة الأفراد والأطفال خاصة في التقليد الأعمى، دون تفكير وبلا عقلانية.
أفهم من كلامك أن الانتحار عندنا يختلف عنه في الغرب؟
 بالطبع نعم، وهي خصوصية هذه الظاهرة عندنا. فبعدما كان لجوء بعض الجزائريين في الجزائر إلى الجبال لإجهاض معاناتهم والانتحار بطريقة جهادية انتحارية، أصبح لجوؤهم اليوم إلى الانتحار بالشنق علنا وحرق الأجسام وبطرق أخرى مألوفة لدى باقي الشعوب.
والخصوصية في هذا الحدث أن الانتحار اختلفت مظاهره، وأصبح الرادع الديني المعوّل عليه غالبا لا يكفي في الوقاية منه. والملاحظ اليوم أنه بات يمس الأطفال، ويلقي بظلاله في المؤسسات التربوية. وعليه، تجدر الإشارة إلى ثلاثة أمور رئيسية:
أولا: هذه الظاهرة موجودة في الجزائر، ولكن نسبها وحالاتها لم تدرس بعمق وتم تجاهلها سياسيا. غير أن الإعلام له الفضل في طرحها أمام الملأ، ولا ندرى هل هناك ارتفاع حقيقي في نسبة الانتحار أم هو مجرد إحساس نتيجة التغطية الإعلامية.
ثانيا: على غرار ما يعتقده الكثيرون أن هذه الظاهرة تمس فقط مناطقنا وأهلنا في القبائل، ولكن الحقيقة أنها تعني كل جهات الوطن، وبعض الدراسات برهنت على ذلك. كذلك في وقت الحرب ضد الاحتلال وضد الإرهاب، لم يكن للانتحار مكان في اهتماماتنا، على غرار ما نعيشه اليوم.
أمر آخر، وهو أن أغلب الحالات تم تفسيرها بالانتحار، ولكن نتناسى أن هناك جرائم كيّفت على أنها انتحار للهروب من المسؤولية الجنائية، مثل بعض الجرائم التي تمس بعض ضحايا الاغتصاب التي يتم التعتيم عليها، وفق ما تراه بعض العادات للتستر على فضائح عائلية وجرائم أخرى، إذ هناك جرائم قتل عمدي تكيّف على أنها انتحار. وهنا، يجب أن تلعب حنكة المحققين والشرطة القضائية دورها.
ما المطلوب لمجابهة هذه الظاهرة؟
 الوقاية خير من العلاج، وعلم الإجرام لا ينتظر وقوع الفعل للقيام بدراسته. هناك أعراض يجب التعرّف عليها مسبقا، وعلينا أن نعلم بأننا لسنا في مأمن من هذه الظاهرة لسبب وحيد، أننا لم نتكفل بالتطعيم المبكر، وأقصد التربية والرعاية والتوجيه، ورجوع الآباء لدورهم الرئيسي، وهو التربية. فالظن بأن توفير وجعل رغبات الأطفال أوامر لا تجعلهم معرضين للانتحار، خطأ بعينه. فكما يقول المثل الجزائري: قبل التفاح، كيف كان يعيش المرضى .
وكي لا نظن أن مسؤولية هذه الظاهرة تقع فقط على عاتق الآباء أو المسؤولين، فهي تقع على عاتق المجتمع، بإحياء التضامن الاجتماعي من جديد، كون الوازع الديني بات مؤكدا أنه لا يكفي. من الوقاية أيضا تأسيس مراكز وأرقام هاتفية لاستقبال مكالمات اليائسين من الحياة، وتكوين المدرسين، فنيا ونفسيا، في كيفية الكشف عن الأعراض، وكيفية التعامل مع الطلبة وأوليائهم، قبل وأثناء وبعد وقوع الانتحار. لا بد أن ننبه أيضا لدور الإعلام في كيفية التعاطي مع هذا النوع من الحوادث، كي لا تبث في أفكار النفوس المستضعفة روح ستار أكاديمي ، وتحثهم على الشهرة عن طريق قيامهم بالفعل الانتحاري لإحداث الصدى الإعلامي، واستغلاله كمنبر لإيصال أحزانهم، بعدما فشلت طرق التواصل التقليدية الأخرى. وأعطيك مثالا لذلك ظاهرة إحراق الجسم، فهي ظاهرة مستوردة وبدأت تتطور يوما بعد يوم بيننا، وهي أبشع مظاهر الانتحار، لأن الهدف منها هو التشهير، والضحايا هنا كثيرون، عكس الذي ينتحر في مكان معزول، والإعلام بطريقة أو بأخرى له دور في استيرادها للجزائر.
علينا، أخيرا، أن لا ننسى دور أجهزة الدولة في توفير الدعم، وتطبيق التدابير الوقائية، والتكفل بمحيط الشخص المنتحر (العائلي والمدرسي على السواء)، وهو الأمر الأكثـر أهمية، لأنه إن لم نقرّر ونطبق في الواقع التدابير العلمية لمواجهة الانتحار، فإن عدواها ستنتقل لأذهان الكثيرين من ذوي العقول المنهكة، مثلها مثل الأمراض المعدية الأخرى.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)