الجزائر - Idées, débats, opinions, forums de discussion

أرملة العقيـد مـلاّح..12 سنة ''كوسيرجة'' وأكل ''الجـيفة



أرملة العقيـد مـلاّح..12 سنة ''كوسيرجة'' وأكل ''الجـيفة
وزارة المجاهدين كرّمت سي شريف بتسمية سوق البطاطا ورخصة تسويق الكحول
''الحوَج الحوَج الحوَج،...لولا الحاجة لما مددت يدي مقابل 150 دج ولما قبلت العمل في الشيفون كمنظفة عند وزارة المجاهدين لمدة 12 سنة عشت فيها الأمرين لأضمن حياة وتمدرس ابني ''اعمر'' هي العبارات التي جاءت على لسان زوجة الشهيد ''علي ملاّح'' في صورة مؤسفة آلت إليها الحاجّة ''سعدية'' البالغة من العمر 82 سنة، والتي وجدت نفسها عاملة تنظيف تقتات من لحم الجيفة لسد الرمق، بعدما سُدّت في وجهها كل الأبواب.فأرملة الشهيد ملاّح، التي اشتغلت منظفة بوزارة المجاهدين وهي وزارة كان من المفروض أن تكفل لها عيشة كريمة، على غرار ما تستفيد منه أرامل الشهداء وأبنائهم، عاشت واقعا مريرا، حيث كانت تتقاضى منحة 400 دينار، كما تم منحها رخصة استغلال لاقتناء المشروبات الكحولية، ليكون جزاء الاستشهاد في سبيل الوطن المتاجرة في المحرّمات، عوضا عن منحها رخصة استغلال سيارة أجرة. ''النهار'' حاولت تسليط الضوء ولو على جزء بسيط من المعاناة المريرة التي تواجهها زوجة السي شريف، وابنه الذي تجاوز عقده السادس، فارتأينا نقل هذه الحقائق، لتبيان حجم الاستهانة والتقليل من شأن أسرة ثورية، تنتسب لمن كان وما يزال رمزا للنضال الثوري المستميت.بحزن شديد روت لنا الحاجّة ''سعدية''، التي استضافتنا في منزلها الكائن بتزي غنيف بولاية تيزي وزو، أدّق التفاصيل حول حياتها الزوجية مع قائد العمليات العسكرية بالولاية التاريخية السادسة، والتعذيب الذي تعرّضت له على يد جلاّدي الاحتلال الفرنسي، وكيفية التحاق زوجها بصفوف جيش التحرير الوطني ومشاركته في تفجير الثورة في منطقة القبائل، التي عرفت بطولات كبيرة واستشهاد أكثر من 700 شهيد بمنطقة تيزي غنيف مسقط رأس الشهيد السي ملاّح.
تركني بعد ثلاثة أيام من زواجي ليلتحق بالكفاح المسلّح لكنه عاد لأنه كان يحبّني
لبديري سعدية، زوجة العقيد ملاّح، قالت إنها تزوّجت الشهيد وعمرها 14 سنة، غير أنه وبعد ثلاثة أيام من زواجها قرر العقيد تركها ليلتحق بالكفاح المسلّح، قائلا لها ''يجب أن أتركك لكن انتظريني سأعود إليك يوما''، مفيدة أنها لم تفقد الأمل يوما وكانت تنتظر بشوق عودة زوجها الذي قالت إنها كانت تحبه كثيرا، وهو الحب الذي كان يبادلها إيّاه، جاعلا منها أسعد وأعز زوجة في سنوات الخمسينات، غير أن الاستشهاد من أجل الوطن حرمها منه وجعلها تتخبط وحدها، لولا وقوف والدها إلى جانبها لمساعدتها في تربية ابنها اعمر.
لم أجد من يعيلني فقبلت العمل منظفة بـ''شاطوناف'' لمدة 12 سنة
حقيقة مرّة تلك التي أدلت بها أرملة السي شريف، فالحاجة سعدية التي كان يفترض أن تعيش حياة كريمة بفضل بطولات زوجها، تحوّلت إلى ''كوسيرجة'' في وزارة المجاهدين طيلة 12 سنة كاملة، كانت تتقاضى أجرة لا تتعدي الـ400 دينار جزائري، وكانت تعامل معاملة أقل ما يقال عنها أنها مهينة ومشينة، فخالتي سعدية وعلى الرغم من مأساتها، فضّلت عدم التجريح في القائمين على الوزراة أنذاك مكتفية بالقول ''حسبي اللّه ونعم الوكيل''، بل ووصل الأمر بها في بعض الأحيان إلى أكل ''الجيفة'' نظرا للحالة التي آلت إليها أرملة قائد الناحية العسكرية السادسة.
كان يردّد ''اللّه أكبر.. اللّه أكبر تحيا الجزائر وليس تحيا البطاطا لتسمية سوق باسمه''
وعوضا عن تكريم عائلة ''الكولونيل'' ملاّح وتمجيد كفاحه ونضاله ضد الاستعمار الغاشم، ارتأت السلطات تسمية أحد أكبر الأسواق الشعبية بساحة أول ماي بالعاصمة باسم ''سوق علي ملاّح''، الذي قتل بـ 200 رصاصة في سبيل الوطن وليس في سبيل بيع البطاطا، كما تقول زوجته التي أكدت أنها لا تقبل بفكرة تسمية سوق شعبي باسم زوجها الذي كان يردّد عبارة اللّه أكبر،اللّه أكبر ،اللّه أكبر من أجل أن تحيا الجزائر وليس من أجل أن تحيا البطاطا والخرشف.
حوّلت منزل والدي إلى عيادة لإيواء المجاهدين وتعرّضت للتعذيب على يد الجنود الفرنسسين
الحاجّة سعدية، التي راحت تستذكر ماضيها، أوضحت أن زوجها وقبل انتقاله إلى الناحية الرابعة، طلب منها أن تكمل مسيرته في حالة سقط في يد العدو، فما كان لها غير الأخذ بوصيته أين حوّلت منزل والدها إلى عيادة طبية، على الرغم من معارضة والدها، فراحت تستقبل المجاهدين الجرحى أين كانت تتكفل بإطعامهم وعلاجهم دون أن يتفطن لهم الجنود الفرنسيون، قائلة إنه وبعد أن كُشف أمرها، تعرّضت إلى تعذيب شنيع وزُجّ بها في السجن لمدة طويلة، لكنها أكدت أنها فخورة بكل ما صنعت وقدمت لجزائر المليون ونصف المليون شهيد.
نجل ''ملاّح'' يسترجع ذكريات والده ويشيد بخصاله
من جهته، استرجع ابن الشهيد علي ملاّح، المدعو ''أعمر ملاّح'' البالغ من العمر 64 سنة ذكريات تنبض بتضحيات والده الذي كان قبل التحاقه بصفوف جيش التحرير إماما ومدرّسا وثوريا بارزا، لم يخف أنه بدأ في بيع السلاح في سنة 1942 بعد أن تمرّد على فرنسا، حيث رفض التجنيد الإجباري في صفوفها، وفضّل البقاء في صفوف الزوايا، وفي نفس الوقت يحضر الأسلحة ويبيعها ويشترط على كل من يشتريها من الجزائريين إن رغب في إعادة بيعها أن يشتريها منه، وذكر أنه كان يبيعها إلى ديدوش مراد والذي كان جار خاله، مضيفا أن أباه الشهيد علي ملاّح كان يخفي الأسلحة في صفائح الغاز، مؤكدا أن والده كافح ضدّ فرنسا في الولاية الرابعة مع المجاهد ''اعمر أوعمران'' وفي مؤتمر الصومام عُيّن قائدا للولاية السادسة.
استيقظت يوما على دموعه وهو يقول ''لقد تركت لك الكثير من الثوار إلى جانبك'' لكن وأسفاه
تحدث ابن الشهيد عن حادثة مقتل والده رميا بالرصاص، فحسب شهادته، فإنه أُطلق عليه ما لا يقل عن 200 رصاصة ثقبت جسده، معترفا أنه لم يلتق بوالده الشهيد سوى أربع مرات وحضوره كان ضيقا، وأضاف يقول إنه آخر مرة التقاه فيها كان عائدا من مؤتمر الصومام، واستيقظ صباحا على بكاء ودموع والده وأخبره بما أخطرته به والدته حتى لا يذهب إلى الصحراء كي لا تلسعه العقارب، وعندها سأله كم قتلت من خبيث؟ فأجاب الشهيد علي ملاّح: ''لا تخف على والدك ثأري أخذته بيدي، وقتلت الكثير من الخبثاء''، وأشار ابن الشهيد إلى طمأنة أبيه له عندما قال له: ''لقد تركت لك الكثير من الرجال الثوار إلى جانبك..'' وحملت شهادة ابن الشهيد علي ملاّح، تمكّن والده من صنع أربعة قنابل فُجّرت في كل من عزازڤة وتڤزيرت.
علي ملاّح في سطور
الشهيد البطل علي ملاّح، ولد بذراع الميزان سنة 1924 تلقى تربية دينية، حيث حفظ القرآن ومبادئ اللغة العربية على يد والده الغمام، حيث أثّر في تربيته بشكل محسوس، ولم يتأخر في شحنه بحب الوطن والمحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية، ويُشهد له أنه انخرط منذ شبابه في الحركة الوطنية أي في صفوف حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وسُجن بعد الحرب العالمية الثانية ولما أُطلق سراحه بدأ حياة السرية، عن طريق تنظيم الخلايا الثورية السرية في القرى والمداشر، وعند اندلاع الثورة التحريرية كان من السبّاقين إلى قيادة العمليات العسكرية، وبعد مؤتمر الصومام رُقي إلى رتبة عقيد، وكُلّف بقيادة الولاية السادسة ولُقب بالعقيد ''سي الشريف'' وسقط شهيدا سنة 1957 قرب مدينة قصر البخاري.
اعمر ملاّح: ''أنا فخور بوالدتي التي عملت كوسيرجة''
اعمر ملاّح الذي راح يذرف دموعا من شدة التأثر، قال إنه فخور بأمه التي عملت كمنظفة، وبوالده الذي كان آخر ما قاله له ''لا تخف على والدك ثأري أخذته بيدي، وقتلت الكثير من الخبثاء''، مشيرا أن والده طمأنه ''لقد تركت لك الكثير من الرجال الثوار إلى جانبك ''، غير أنه تأسّف على أنّ الرجال الذين تركهم لم يقفوا إلى جانبه يوما. وفي الأخير، ومع خمسينية الاستقلال التي يتغنى بها المسؤولون في الجزائر بالاحتفالات والشعارات، تعيش أسرُ من صنع مجد ومستقبل أكثر من 35 مليون جزائري في أوضاع مزرية لا تعكس بأي حال من الأحوال ما قدّموه من تضحيات غابت في يومنا هذا، وبدرونا نسأل اليوم بعد ٤٥ سنة من استشهاد البطل علي ملاّح؛ ماذا ستقولون للشهيد لو سألكم يوما ''هل تضحياتي من أجل جزائر حرّة ومستقلة ..تدفع ثمنها زوجتي عاملة النظافة؟''، فأين القسم والوفاء بالعهد ..؟ أين صون الأمانة؟ ..أين الضمير؟.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)