يصنف كل من عايش الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة في خانة الرجال الهادئين، و من الناس الذين تعلموا أن يكونوا باردي الأعصاب في إدارة الأزمات و النزاعات، و من ثمة حاول الكثيرين منهم دراسة الحالة النفسية للحكام و الى أي صنف من الأصناف ينتمون، و قد قال علماء النفس: " إن تاريخ العالم ليس إلا سيرة الرجال العظماء"، فهل كان أحمد بن بلة من الرجال العظماء؟ أو كان صاحب "كاريزما" ؟ مثله مثل جمال عبد الناصر و غاندي و هواري بومدين و غيرهم من الذين تركوا بعبقريتهم بصماتهم يحكيها التاريخ للأجيال القادمة، يرحل الرجل عن الحياة و لم يٌبْقِ وراءه سوى سِجِلاًّ تاريخيًّا مليئا بالأحداث سلبية كانت أو الإيجابية.
مولده و نشأته
ولد الرئيس أحمد بن بلة في شهر ديسمبر عام 1918 في مغنية بنواحي تلمسان و بالضبط على الحدود الجزائرية ، والديه من أصل مغربي و بشهادة منه، أبوه أمبارك بن محجوب المنحدر من عرش أولاد سيدي رحال الأمازيغي بمراكش، و كان أحمد بن بلة طيلة حياته يقول أنه ذو نزعة أمازيغية و يردد أنه أمازيغي أبا عن جد، و أنه كان من المحظوظين في متابعه الدراسة و التحاقه بالجيش لأداء الخدمة الإجبارية ، إلى غاية التحاقه بفرقة المشاة بشمال أفريقيا التي ذهبت إلى الجبهة الإيطالية و شارك في معركة جبل " كاسينو" بإيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية، أين أنقذ قائده الفرنسي من الموت و إنقاذ كتيبته بالكامل من التدمير و الإبادة، و بعد المعركة قلده الجنرال ديغول نياشين و كان برتبة مقدم أول، و تقول الكتابات أن أحمد بن بلة تزوج بصحافية ماركسية اسمها زهرة سلامي.
رغم الأزمة التي عصفت بعائلته إثر تعرضها لوباء التيفويد واصل الرئيس الراحل أحمد بن بلة العمل السياسي، حيث شارك في الانتخابات البلدية التي جرت في أكتوبر 1947 ، و بعد تأسيس الجناح العسكري لحزب الشعب، عين بن بلة على رأسه بوهران، و لخبرته العسكرية تم تعيينه مسؤولا عن المنظمة الخاصة سنة 1949 و شارك في العملية المعروفة ببريد وهران، لتمويل نشاطات المنظمة السرية التي كانت تحضر لتفجير الثورة، قبل أن يلقي القبض عليه، و يلوذ بالفرار باتجاه مصر، حيث واصل نشاطه هناك إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية و كلف بمهمة التمويل و التسليح، تم اعتقاله من جديد إثر اختطاف الطائرة التي كانت تقله رفقة محمد بوضياف و محمد خيضر و حسين آيت أحمد من المغرب إلى تونس يوم 22 أكتوبر 1956، و لم يفرج عنهم إلى بعد التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار.
فتحي ذيب كان الأب الروحي لبن بلة
جانب من شخصية بن بلة
بعد الإفراج عنه عاد أحمد بن بلة إلى مصر ، حيث استقبل من طرف الرئيس جمال عبد الناصر يوم 02 و 03 أفريل 1962 و من إقامته بمصر طالب بن بلة عقد المجلس الوطني للثورة، و قد أثرت علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر على نفسيته إلى درجة التصريح في عام 2004 في حوار له مع جريدة الحزب العربي الديمقراطي الناصري الصادرة في مصر عدد 07 من شهر نوفمبر 2004 ،و حوار له في صوت الأمة العربية عدد 14 من نفس الشهر و السنة عندما قال: " أتمنى أن أموت في مصر و أدفن فيها"، كما مكنته علاقته مع رجل المخابرات المصري فتحي ذيب من خلق له "زعامة" سياسية لدرجة أن اعتبر بن بلة أن فتحي ذيب هو أباه الروحي، وقد خلفت هذه العلاقة أيضا نوعا من العداوة بينه و ين رفقاء النضال و الكفاح و منهم العربي بن مهيدي الذي كان غالبا ما يتشاجر و يتشابك معه.
معظم الذين درسوا شخصية الرؤساء ومنهم ( الدكتور رابح لونيسي، و محمد بوعشة ) يجمعون أن الرئيس أحمد بن بلة كان متأثرا جدا بالإيديولوجية "الناصرية" التي هي خليط من القومية العربية و الأفكار اليسارية، فيمكن القول أنه كان قومي اشتراكي، بحيث لم يتخل عن هذا المذهب رغم إيمانه أن الاشتراكية فكرة تلاشت و لا رجعة فيها، و لكونه كان متأثرا بفيدال كاسترو ، و ماوتسي تونغ و تشي غيفارة، فكان يجمع كما قال عنه فرحات عباس بين الإسلام و الشيوعية، كما كان أحمد بن بلة محبا للسلطة و للزعامة و شغوفا بهما، و هو ما استنتجه العربي بن مهيدي عندما تمنى الموت قبل الاستقلال، لأنه كان على يقين بأن صراعات حادة ستحدث بعد الاستقلال من أجل السلطة، حيث كانت السلطة الجدار الفاصل بين بن بلة وبن يوسف بن خدة، الذي انسحب من الصراعات السلطوية أثناء أزمة صيف 1962 ، و تمكن بن بلة بالفعل من تحقيق ما طمح إليه بفضل "شعوبويته" رغم فوضويته في تسيير دواليب الحكم و شؤون الدولة، و كأن الرجل ولد للصراع و الفوضى، في حين يرى البعض أن أحمد بن بلة كان إسلاميا، أو بالأحرى متأثرا بالطريقة "الخمينية" في إيران، و أن استغلاله للدين مكنه من الاستحواذ على السلطة معتمدا على التعبئة الدينية، و لأنه جعل من نفسه فوق الجميع، وصفته وسائل الإعلان الغربية ب:" خميني الجزائر".
وحسب المختصين في تحليل ظاهرة القيادة و الحكم في علاقاتهما بصنع و إدارة النزاعات و أداء السياسة الخارجية و دارسي "الكاراكتيرولوجيا" ( الخصائص البشرية) فإن أحمد بن بلة يدخل في زمرة الحكام المذهبيين، لأن الرجل كان متمسكا بإيديولوجيته ( الإشتراكية ) رافضا التلاعب بالكلمات، في الوقت نفسه تكون له القدرة على خدمة الثورة و خصومها أيضا، فقد استطاع بن بلة في خطاب له من تلمسان خلال التحضير للمجلس الوطني التأسيسي من أجل تغيير الحكومة، أن يدعو إلى إقامة دولة ديمقراطية و عصرية تنبذ الدكتاتورية ، تضمن لكل مواطن الحرية الفردية و حرية التعبير"، ليصبح أول رئيس للجمهورية الجزائرية يوم 15 سبتمبر 1963، و قد تبنى أحمد بن بلة اعتلائه الحكم التسيير الذاتي متبنيا في ذلك لقاء طرابلس للخيار الاشتراكي، و شرع في تأميم أراضي المعمرين، كما أصبح أحد رموز مكافحة الإمبريالية و الدفاع عن منبوذي العالم الثالث إلى جانب جمال عبد الناصر و نهرو، و جوزيف تيتو، و ارتبط بصداقات مع اليساريين النشطين ، مثل ميشال رابتيس الأرجنتيني و الفرنسي جاك فرجيس.
السياسة الخارجية لبن بلة
لم يكن للرئيس أحمد بن بلة أن يصل إلى السلطة و يقبض بيديه زمام الحكم، لولا الدعم الذي تلقاه من جمال عبد الناصر، فقد سلمت مصر لجيش الحدود الذي تحالف معه بن بلة عتادا عسكريا يوم 30 أفريل 1962 مباشرة بعد وقف إطلاق النار ( 40 سيارة مدرعة، 100 سيارة جيب، 100 شاحنة عسكرية، 50 سيارة موجهة للمدافع، 06 طائرات ميج و 06 مصرية) هذه الحصيلة كشفها فتحي ديب مسؤول المخبرات المصرية و الذي كان مقربا من بن بلة، هذه العلاقة بين بن بلة و جمال عبد الناصر كادت أن تنصهر و تذوب، لدرجة أنها كانت على وشك أن تدمج الجزائر بمصر، و أن يوضع علم واحد يتلخص في إضافة نجمة واحدة لعلم الجمهورية العربية المتحدة، لأن مصر بقيادة جمال عبد المنتصر، كانت تتدخل في النزاعات الداخلية للجزائر و تقوم بحلها، كما كانت هذه العلاقة سببا في خلق التوترات بين الجزائر والدول الجارة ( تونس و المغرب) حيث أبدى أحمد بن بلة استعداده للتخلي عن جزء كبير من الحدود الجزائرية لها ( 233 شرقا) و أثار هذا القرار حفيظة الرئيس هواري بومدين.
ما حقيقة الصراع بين أحمد بن بلة و "الإيجيتيا"
فمنذ تأسيس الإتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فيفري 1956 عرفت هذه المنظمة تطورات كثيرة تميزت بأزمات و صراعات حادة، حيث ظهرت دعوات إلى العام على استقلاليتها كمنظمة نقابية و إبعادها عن المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني آنذاك، لكن بن بلة رفض استقلاليته سياسيا لأنه كان يناهض برنامج طرابلس، إن كل من كتبوا عن الصراع بين بن بلة و الإتحاد العام للعمال الجزائريين، أكدوا أن جذور الخلافات بين الإتحاد و بن بلة تعود إلى أزمة صيف 1962 ، عندما طالب رابح جرمان الأمين العام للإتحاد بإبقاء منظمته بعيدة عن الصراعات الداخلية للحزب ، حتى لا يكون العمال و الشعب لعبة بين أيدي هؤلاء المتصارعين، و قد كلف أحمد بن بلة رابح بيطاط للدخول في مفاوضات مع قيادة الإتحاد، و تم الاتفاق على أن ينتخب العمال ممثليهم بأنفسهم، و أن مؤتمر الإتحاد هو الذي يحدد توجهات المنظمة، و هو اعتراف ضمني باستقلال الإتحاد من الناحية التنظيمية، عن حزب جبهة التحرير الوطني، غير أن الحزب بقيادة بن بلة أعاد التنظيم إلى صف الحزب و الإشراف عليه، و هذا ما يؤكد بأن الرجل لم يكن يوما ديمقراطيا، لأنه لم يسع يوما إلى أسلوب التوفيق و المهادنة في ممارسة السلطة.
بن بلة يراسل أحمد محساس لحل إشكالية السياسي و العسكري
كانت علاقة متينة تربط بين أحمد محساس و بن بلة عندما التقيا بفرنسا، في الفترة التي كان عبان رمضان يحضر فيها لعقد مؤتمر الصومام في أوت 1956 و تعيينه مسؤولين من الداخل، منهم المحامي آيت حسن و الدكتور النقاش مكان عبد الحي و جماعته، و هو ما أكده أحمد محساس في حوار صحفي جمعه بمحمد عباس، حيث طلب أحمد بن بلة من أحمد محساس الذهاب إلى تونس لإقناع عبد الحي بقبول الممثلين الجدد و لكنه رفض ذلك، و يصرح أحمد محساس أن أحمد بن بلة بعث له رسالة بخط يده عن طريق المحامي أحمد بومنجل، يطلب منه ان يسلم زمام الأمور إلى مبعوث عبان، و تلقى إشعارا من الحكومة التونسية التي سارعت باحتضان هؤلاء المبعوثين و التعامل معهم بدل النظام القائم منذ بداية الثورة ،و لكنه رفض و أرسل رسالة إلى قيادة الحدود الغربية ( بوصوف و بومدين)، كما رفض مطلب بومدين حول " الكتاب الأبيض" الذي كان يراد من ورائه إعداد عريضة إدانة للرئيس أحمد بن بلة، و كان الاقتراح إطاحته أولى من إدانته.
و للتاريخ فإن جذور عقد مؤتمر الصومام تعود إلى حادثتي العملية الفدائية التي قام بها الكوموندو علي خوجة في باليسترو يوم 25 فيفري 1956 حينما أطلق النار على حافلة تنقل سواح أوربيين و رفع الوزير المقيم بالجزائر روبير لاكوست من حدة سياسته القمعية تجاه الثورة فأقدم يوم 19 جوان 1956 على إعدام زبانة بن محمد و فراج عبد القادر بسجن بارباروس، و ساعة بعد تنفيذ الإعدام قرر عبان رمضان ،و اوعمران الانتقال الى العمل الفعلي، فكتب عبان رمضان رفقة العربي بم مهيدي منشورا ورد فيه: " كل إعدام في حق مناضل سيؤدي الى عمليات انتقام، كل مجاهد يقتل، سيؤدي حتما الى قتل مائة فرنسي دون أي تمييز"، كان عبان غاضبا ، و قال لأوعمران: " على الحكومة الفرنسية أن تغير من مواقفها تجاهنا، يجب ان تعاملنا كمحاربين".
في هذه الفترة كانت حكومة غي مولي قد شرعت في اتصالات مع خيذر و أمحمد يزيد في القاهرة و هو ما أثار تعجب اوعمران فقال له عبان : " هناك سياستان، واحدة في الجزائر و أخرى في فرنسا، و هنا اتفق القادة الستة على عقد المؤتمر و هم: ( كريم بلقاسم ، عبان رمضان، بن يوسف بن خدة ، سعد دحلب و العربي بمن مهيدي ) و كانت وجهات النظر بين عبان و بن مهيدي متقاربة قبل المؤتمر فكلاهما مثقفا و يريد ان تكون للثورة أبعادا إيديولوجية، و اتفق المشاركون في المؤتمر على أهم نقطتين في المؤتمر و هي "أولوية الداخل على الخارج و أولوية السياسي على العسكري" ، و أكدوا على الشروط الأساسية للاستقلال و الإعتراف بالأمة الجزائرية، و التأكيد على إطلاق المساجين السياسيين و الإعتراف بجبهة التحرير الوطني كممثل شرعي و وحيد للشعب الجزائري و استقلالية الثورة الجزائرية..الخ، غير ان أحمد بن بلة لم يعترف بالمؤتمر لأنه أدرك فعلا أن الثورة في الداخل فصلت نهائيا في مسألة "الزعامة" و الصراع على السلطة بفضل اختيار مبدأ القيادة الجماعية عملا بمبادئ أول نوفمبر 54 و هو الذي أراد تسيير الثورة من الخارج.
الإطاحة ببن بلة
من هنا جاءت فكرة الإطاحة ببن بلة، أين تقرر تنحيته في مساء 17 جوان 1965 و تم اعتقاله في بيته، و اعتقل معه الحاج بن علا رئيس المجلس الوطني، و محمد الصغير النقاش وزير الصحة آنذاك، و عبد الرحمن شريف مستشاره الأمني و الذي يعتبر رجل مصر في الجزائر، ليتم نقله على متن طائرة خاصة الى دويرة، و بقي هناك الى غاية مجيء الشاذلي بن جديد، و هو في السجن اعترف أحمد بن بلة بالكثير من أخطائه و أنه سلم الحكم لأناس لا علاقة لهم بالثورة، و لم يستطع أحد من أصدقائه من رؤساء الدول أن يقنع هواري بومدين في العفو عنه و إطلاق سراحه حتى جمال عبد الناصر نفسه، و ذلك حفاظا على علاقتهم بالدولة الجزائرية، و أجمع من عايشوا الرجل أن الإطاحة به مكنت من إعادة قطار الثورة الى خطها الصحيح، و لهذه الأسباب أطلق على الانقلاب ب: " حركة التصحيح الثوري" و أصدروا بيانا في 19 جوان 1965 يؤكدون فيه، أن ما حدث كان محاولة صادقة للقضاء على الحكم الدكتاتوري، و أن الذين قاموا بهذه الحركة لم تكن لهم أطماعا سلطوية، و أن هدفهم الأساسي هو إرجاع الأمور الى نصابها.
المراجع:
1) أزمات جبهة التحرير الوطني و صراع السلطة للدكتور صالح بلحاج دار قرطبة للنشر طبعة أولى 2006
2) الصراع السياسي في الجزائر خلال عهد الرئيس أحمد بن بلة للدكتور إبراهيم لونيسي دار هومة طبعة 2007
3) الصراع السياسي داخل جبهة التحرير الوطني خلال الثورة الجزائرية للدكتور إبراهيم لونيسي طبعة أولى 2007
4) رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ للدكتور رابح لونيسي عن دار المعرفة طبعة أولى 2009
5) مجلة الحدث ( مجلة سياسية شهرية ) عدد خاص عن الثورة الجزائرية و الحوار الذي أجراه محمد عباس مع الطاهر بن عيشة.
ماك تناقض في كلام بن بلة فهو قال بعد الاستقلال نحن عرب ثلاث مرآة و بعد عشرين عام قال انا امازيغي هذا ليس كلام منطقي
لياس - تاجر - باريس - الجزائر
14/01/2019 - 394268
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : علجية عيش
المصدر : www.algeriatimes.net