لم يسبق للجزائر أن عاشت انتقالا سلسا أو تداولا ديمقراطيا على السلطة، منذ مرحلة ما قبل الاستقلال، بل شهد كل تحول إرهاصات، منها ما مر بسلام، ومنها ما تسبب في حدوث قلاقل كادت تعصف بأمن البلاد وتهدد استقرارها.
ولم تكن هذه الظاهرة وليدة الاستقلال، بل تعود جذورها إلى أولى أيام الثورة التحريرية، وبالضبط إلى الخلافات التي عايشت مرحلة الانتقال من النضال السياسي إلى العمل الثوري، إثر يأس أبناء الحركة الوطنية، من إمكانية نجاح هذا النهج في تحرير البلاد من عربدة الاستعمار الفرنسي.
وهنا يستحضر العارفون بخبايا النضال من أجل التحرر، كيف تمكن شباب حزب الشعب من قلب الطاولة على كهول الحركة الوطنية، وفي مقدمتهم الأب الروحي للحركة، مصالي الحاج، الذي وجد نفسه في لحظة حاسمة على هامش التاريخ، وهو الذي صنعه منذ عشرينيات القرن المنصرم .
وإذا كان مصالي الحاج يشكل أولى نماذج ضحايا الانتقال غير السلس للسلطة في الجزائر، فإن حادثة الانقلاب على مهندس مؤتمر الصومام، عبان رمضان، ثم تصفيته جسديا في المغرب، تعتبر أيضا نموذجا، لكنه لا يرقى إلى بشاعة الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المؤقتة في صائفة 1962، وهو أول انقلاب أتى على مؤسسات شرعية للجزائر المستقلة.
ولأن الدولة الجزائرية الفتية نشأت في أحضان مأساة سقط فيها مليون ونصف مليون من الشهداء، فكان من التداعيات غير المرغوب فيها، سيادة ثقافة الانقلابات وتحولها إلى أداة من أدوات إدارة الأزمات في البلاد، وقد شهد الجزائريون كيف أكلت جماعة وجدة أبناءها، في الانقلاب الذي قاده الرجل القوي فيها، هواري بومدين، ضد أول رئيس للجزائر المستقلة، أحمد بن بلة، في صائفة 1965، ثلاث سنوات فقط من الإطاحة بالحكومة المؤقتة.
الانقلابات اختفت طيلة حكم الراحل هواري بومدين، التي امتدت على مدار 13 سنة، لكنها بقيت كامنة ومعششة في عقول رجالات "السيستام"، وقد عادت إلى الواجهة في العام 1979، لكنها بصورة أكثر تهذيبا، في حادثة استخلاف بومدين بعد وفاته.. فقد عاش الجزائريون يومها على وقع صراع ديكة، كان طرفاه، الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، الذي يرقد في مشفاه بفرنسا، والرجل القوي في حزب جبهة التحرير آنذاك، محمد الصالح يحياوي، غير أن المفاجأة كانت كبيرة، بإخراج اسم لم يكن مطروحا ولا حتى معروفا، تمثل في الكولونيل "الهادئ والظريف"، الشاذلي بن جديد.
وعلى الرغم من إعلان الرئيس الشاذلي في أكثر من مناسبة أنه كان زاهدا في السلطة ولم يتسابق يوما من أجل الظفر بها، وتأكيد رغبته في تركها أيما مرة، إلا أن ذلك لم يشفع له بين "صناع الرؤساء"، لتتم إزاحته في جانفي 1992، في مشهد بشع ومروّع، صنع الحدث داخليا وخارجيا، وأسقط البلاد في دوامة أتت على مصداقية مؤسساتها وهزت استقرارها، قبل أن يكتمل المشهد المروع باغتيال محمد بوضياف، على المباشر، بعد ستة أشهر فقط من الإتيان به من المغرب.
وحتى ليامين زروال، الذي تم الاستنجاد به في شتاء 1994، بعد أن سقطت ورقة الرئيس الحالي في آخر لحظة، لم يسلم بدوره من كمائن الانقلابات، فقد عرف "صناع القرار" كيف يدفعونه إلى رمي المنشفة في صائفة 1998، بعد الحملة الإعلامية التي سُلّطت عليه من طرف أقلام نُفث فيها الكثير من السموم، في تطور لافت لثقافة الانقلابات، التي لم تعد تدار مباشرة بـ "القبعة"، كما كان الحال في الانقلابات التقليدية.
التحول في ثقافة الانقلابات داخل السلطة، أخذ طابعا أكثر نعومة مع مرور الوقت، وكانت الانتخابات الرئاسية لعام 1999، والتي جاءت بالرئيس بوتفليقة إلى سدة الحكم، علامة فارقة، فقد نجحت السلطة حينها في تضليل كافة المترشحين وإيهامهم بأن ذات الاستحقاق سيكون شفافا ونزيها، إلى درجة اقتناع رجل بتجربة الزعيم التاريخي لجبهة القوى الاشتراكية، حسين آيت أحمد، بحسب بعض الروايات، بأنه سيكون رئيسا للجزائر، غير أن عقد هذه الخدعة انفرط عشية الانتخابات، بإعلان جميع المترشحين انسحابهم تاركين بوتفليقة وحيدا في السباق.
اليوم وبعد 14 سنة من آخر المناورات الانقلابية، يتجدد الموعد.. الرئيس مريض، والعهدة الرابعة باتت أبعد ما يكون عن الممكن، والحالمون بالتربع على عرش المرادية كثيرون.. فهل سنرى واحدا ممن تسوق أسماؤهم رئيسا بعد عشرة أشهر، أم أن "صناع الرؤساء" سينقلبون على الجميع ويدفعون باسم مغمور في آخر لحظة لم يكن يخطر على قلب بشر؟
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : aladhimi
صاحب المقال : محمد مسلم
المصدر : الشروق 2013/06/17