الجزائر

الله قيوم السموات والأرض

الله قيوم السموات والأرض
يقول ابن عطاء الله السكندري: ”ما حجبك عن الله وجود موجود معه، ولكن حجبك عنه توهم موجود معه”ليس ثمة ما هو موجود مع الله قط..ذلك هو قرار العلم، وهو ما يجزم به المنطق.ولكي تدرك بداهة هذا الكلام، لاحظ كلمة”مع”التي تدل على الندّية وعلى المساواة وتنفي تبعية طرف لآخر.العلم مليء بالأشياء الموجودة، ولا يرتاب في ذلك ناظر عاقل..ولكنها جميعا موجودة بالله، وليست موجودة معه.ذلك لأن كل ما في الكون مخلوق بخلق الله له، ومن ثم فهو موجود بإيجاد الله إياه..ثم إن فاعلية الإيجاد من الله مستمرة غير منقطعة. وهذا معنى أن الله عز وجل قيوم السماوات والأرض وما بينهما، فلو انفكت قيوميته عن موجود ما لحظة واحدة لعاد أنكاثاً وهباء ولتبدّد في ظلمات العدم.يعبر عن هذه الحقيقة بوضوح قوله تعالى:”ومِنْ آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأَرضُ بِأمْرِهِ”(الروم) وقوله تعالى:”إنَّ اللَّهَ يمْسِكُ السَّماواتِ وَالأَرضَ أنْ تَزُولا”(فاطر) وأنت تعلم أن الفعل لمضارع ”تقوم” و”يمسك” يدل على الاستمرار، وهو يعني أن وجود السموات والارض وقيامها بوظائفها، إنما يتم باستمرار إمساك الله لها، واستمرار إقامته لها على الوظائف التي أقامها عليها..إذن، فليس ثمة، في الكون كله، شيء موجود وجوداً مستقلا بذاته عن الله، بحيث يصح أن يقال: إنه موجود معه، بل إن كل ما تراه عيناك من الموجودات، إنما أوجده الله ابتداء، وأمده بمقومات الوجود، دواماً أي لحظة فلحظة، بحيث لو تخلى عنه لتهاوى وجوده وغاب، كما قلت لك في ظلمات العدم.فإذا ثبت أن الأشياء كلها تستمد وجودها آناً فآناً من الله، وأنها بالله وجدت، وبالله تبقى وبالله تتحرك وتؤدي وظائفها التي أقامها الله فيها، فكيف يحجبك وجودها عن وجود الله؟.. كيف يكون أثر الشيء حجابًا عن رؤية ذلك الشيء؟!.. أم كيف يكون الدليل على الشيء حجاباً يصدك عن رؤية ذلك الشيء؟!..ولكن الإنسان من شأنه-مهما اقتنع علمياً بهذا الذي تم بيانه-إذا نظر في المكونات وتعامل معها وركن إليها، أن يُحجب بذلك عن شهود الله، وأن ينسيه الركون إليها والتعامل معها وجود الله ومراقبته له، وقيوميته على الكون، فما سبب ذلك.سبب ذلك، ما يتوهمه الإنسان بحكم نظرته السطحية، من أن لهذه المكونات التي يراها أمامه وجوداً ذاتيا مستقلاً، إذ هو الذي تبصره به عيناه.ونظراً إلى أن الله قضى أن لا يرى الإنسان ربه في هذه الحياة الدنيا، وأن يكون غائباً عن بصره ماثلاً أمام بصيرته، فإنه إذ ينظر إلى ما حوله لا يرى إلا صور المخلوقات، ولا يرى الدنيا إلا ساحة فياضة بوجودها، فيوحي إليه وهمه أن الوجود الكوني كله هو هذا، وإن كان من ورائه شيء ما فهو مغمور ومحجوب بهذا الوجود الكوني الذي استنفذ أقطار المكان والمجال كله، فيمضي متوهماً أنه أمام وجود واحد، هو وجود هذه المشاهدات الكونية التي تتراءى أمامه، ولربما يحمله الوهم على أن لا يتعامل إلا مع هذا الذي تبصرّه عيناه..فإن تحرر عن هذا الوهم، تلقفه وهم آخر، وهو تصور وجودين مستقلين كاستقلال الندين المتماثلين، وجود الله ووجود المكونات.ويمضي يقرر وهمه الثاني هذا في كل مناسبة، وهو تصور موجود آخر مع وجود الله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.ولكن العلم كشأنه دائماً، هو الملاذ الذي ينحي صاحبه من كل تخبط ووهم..العلم هو الذي يبصرك بالحقيقة، حقيقة الوجود الواحد الذي تفرع عنه(ولا أقول:فاض منه)وجود الموجودات الكونية كلها.وكم هو صحيح وعميق:قول سيدي الشيخ محي الدين ابن عربي رحمه الله في آخر تائيته:وجدت وجوداً لم أجد ثانيا له وشاهدت ذاك الحق في كل صنعةوطالب غير الله في الأرض كلها كطالب ماء من سراب بقيعة.المرحوم الدكتور سعيد رمضان البوطي


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)