الجزائر

العراق بلد ينزف منذ عشر سنوات

العراق بلد ينزف منذ عشر سنوات
في 18 ديسمبر 2011، أنهى الاحتلال الأمريكي وجوده في العراق، واعتقد أبناء الرافدين أنهم سيستعيدون أرضهم وسيادتهم وحريتهم المسلوبة، لكن الذي حصل أنهم دخلوا في دوامة من العنف اللاّمتناهي الذي حوّل يومياتهم إلى مسلسل طويل من الموت والدمار وسفك الدماء، وغدا العراق بحق مسلخا بشريا مفتوحا على الطبيعة.بعد عامين من انسحاب آخر جندي أميركي مقاتل، أضحى العراق من أكثر دول العالم بؤساً وشقاءً وسفكاً للدماء، فلا يكاد يمر يوم إلا وتتساقط فيه أرواح العراقيين بالعشرات بل قل بالمئات، سواء قتلا بالرصاص أو نسفا بالمتفجرات، وفي كثير من الأحيان تكون التصفية الجسدية على أساس الانتماء الطائفي والهوية.ويشهد العراق، منذ أفريل الماضي على وجه الخصوص، تصاعدا خطيرا في أعمال العنف التي لم تتوقف منذ الاجتياح الأمريكي للبلاد في العام 2003. ولا تتردد زبانية الموت في استهداف كل أوجه الحياة بهذه الدولة التي عصف بها الارهاب وأعادها مائة عام إلى الوراء وهي التي شهدت واحدة من أكبر الحضارات على وجه الأرض.ومنذ بداية العام 2013، قتل أكثر من 6500 عراقي وجرح الآلاف دون الحديث عن الخسائر المادية التي تتجاوز ملايير الدولارات. وبات الجميع يضع يده على قلبه خشية العودة إلى ذروة العنف التي شهدها البلد بين عامي 2006 و2007 والتي حصدت مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء، خاصة وأن القاعدة وجدت في العراق ملاذا آمنا للعمل فيه، فصعدت من ضرباتها ليصل معدلها إلى 68 هجمة بسيارات ملغمة شهريا هذا العام.وتجد القوات العراقية نفسها وحيدة اليوم وعاجزة عن مواجهة جماعات إرهابية تستمد زخمها من تعفن أجواء المنطقة، نتيجة الأزمة السورية، ومن استياء العراقيين عموما من غياب الخدمات العامة والفساد المستشري، وغضب بعض الطوائف من تعرضها للتهميش والاستهداف، إضافة إلى الصراع بين السياسيين الذي رهن عملية المصالحة والانطلاق في إعادة البناء.إن عجز القوات العراقية عن مواجهة الوضع الأمني المتردي، راجع بالأساس إلى طبيعة الحرب التي تقودها وهي مواجهة الإرهاب التي لا تعتبر بالمهمة السهلة، ثم، وهو الأهم، محدودية الإمكانات وقلة التدريب الذي حظيت به، الأمر الذي جعلها تجد صعوبة كبيرة في الاضطلاع بمهامها.وبهذا الخصوص، قال مسؤول عسكري عراقي بارز، رافضا الكشف عن اسمه، إن "القوات الأميركية كانت تشرف أو تشارك أو تنسق مع القوات العراقية بمهامها قبل الانسحاب وكانت هناك نتائج سريعة". وأضاف، "هم يمتلكون القوه النارية والجوية والبحرية، بينما العراق مازال في بداية الطريق، فأميركا تمتلك جيشا مميزا في كل شيء، وفقدان ذلك هو خسارة لنا، مما جعلنا نتحمل المسؤولية من دون أن يكون لدينا قدرة على سد النقص".وبدوره قال فرانك هالميك، الجنرال الأميركي المتقاعد، الذي شارك في مهمّات في العراق على مدار عدة سنوات، بينها العام 2011، "غادرنا قبل أن نحقق عديد الأهداف الأساسية للتدريبات"، "القوات الجوية العراقية لم تكن جاهزة بعد للدفاع عن أجواء البلاد، ولازالت حتى الآن تفتقد لهذه القدرة". وتابع، "اعتمدت القوات العراقية على الجيش الأميركي لتستحصل على دعم استخباراتي سمح لها بإبقاء الضغط على شبكات الإرهابيين "، مشيرا إلى أن "هذه القدرة عانت كثيرا في غياب الدعم الأميركي".من جهته، يرى السفير الأميركي السابق، جيمس جيفري، أن التدريبات التي تتلقاها القوات العراقية تقلصت منذ مغادرة القوات الأميركية. وقال جيفري، "كان لدينا برنامج متطور حين كانت قواتنا هناك"، وهو برنامج يشمل "تدريب وحداتهم وفرقهم وألويتهم، وهذا الأمر غير متوفر حاليا كما نرى، أو أن المتوفر الآن ليس بالدرجة نفسها التي كان عليها". وأضاف، "نشر قوات عسكرية على الأرض أمر معقد جدا، عندما يطلق الناس النار عليك، والأمر يتطلب تدريبا كبيرا، وخبرة كبيرة، وهم لا يملكون هذه المسائل حاليا، علما أنه كان بإمكاننا أن نمنحهم إياها".وكان تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي حول القوات العراقية، أشار إلى أن البلد لم يجد بعد طريقة فعالة تغنيه عن الاعتماد على المساعدة الأميركية.ومعلوم أن القوات الأميركية أنهت العمليات القتالية في العراق في العام 2010، وجعلت محور عملها بعد ذلك تدريب القوات العراقية. وفي العام التالي، توقفت المفاوضات العراقية الأميركية حول بقاء قوات تقوم بمهام تدريب نظيرتها في العراق، بسبب رفض بغداد منح الجنود الأميركيين الذين كان من المفترض أن يبقوا، الحصانة القانونية. وغادر آخر جندي أميركي العراق في 18 ديسمبر العام 2011، باستثناء عدد من أفراد الجيش الأميركي الذين بقوا تحت سلطة السفارة الأميركية.وفي موازاة نقاط الضعف لدى القوات العراقية والتي تصعب مساعي الحد من العنف المتصاعد في البلاد، تبرز أيضا الخلافات السياسية المتفاقمة، واستياء البعض من الحكومة الحالية، على اعتبار أنها - كما يقولون - تروج للطائفية وتفرق بين أبناء الشعب الواحد على أساس الانتماء الطائفي.بعد عامين من خروج الاحتلال، وجد العراق نفسه أمام معضلة أمنية تقابلها قوات عاجزة حتى عن حماية نفسها، الأمر الذي يفتح الباب واسعا للاعتقاد بأن أمريكا التي خرجت من الباب، بعد أن دمرت العراق دون أن يحاسبها أحد - وهي في واقع الأمر المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل قطرة دم تسيل فوق أرض بلاد الرافدين -، قد تعود من النافذة، بمبرر مكافحة الارهاب الذي نما وترعرع ومد جذوره في العراق منذ أن وقع تحت الاحتلال، وقبله كان بلد الرافدين يعيش في أمن ووحدة وتآلف بين جميع الطوائف والأعراق. فمتى يستعيد العراق أمنه واستقراره، أم مكتوب على العراقيين أن يمضوا سنوات أخرى يتجرعون فيها مرارة الألم والأسى تحت وطأة الإرهاب والعنف الذي لا ينتهي؟


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)